ومعنى {وَأَقِمِ الصلاة ...} [العنكبوت: 45] إقامة الشيء: أداؤه على الوجه الأكمل الذي يؤدي غايته ، فالصلاة المطلوبة هي الصلاة المستوفاة الشروط والتي تقيمها كما يريدها مُشرِّعها {إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ...} [العنكبوت: 45] .
والصلاة إذا استوفتْ شروطها نهتْ صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، فإذا رأيتَ صلاة لا تنهى صاحبها عن الفحشاء والمنكر ، فاعلم أنها ناقصة عما أراده الله لإقامتها ، وعلى قَدْر النقص تكون ثمرة الصلاة في سلوك صاحبها ، وكأن وقوعك في بعض الفحشاء وفي بعض المنكر يُعَدُّ مؤشراً دقيقاً لمدى إتقانك لصلاتك وحرصك على تمامها وإقامتها .
ومعنى {إِنَّ الصلاة تنهى عَنِ الفحشآء والمنكر ...} [العنكبوت: 45] واضح في قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له:"يا رسول الله ، إن فلاناً يصلي ، لكن صلاته لا تنهاه عن الفحشاء والمنكر ، فقال:"دعوه ، فإن صلاته تنهاه"."
فالمعنى هنا أن الأمر ليس أمراً كونياً ثابتاً لا يتخلف ، بل هو أمر تشريعي عُرْضة لأنْ يُطاع ، وعُرْضة لأنْ يُعصى ، فلو كان الأمر كونياً ما جرؤ صاحب صلاة عل الفحشاء والمنكر ، ومثال ذلك أن أقول مثلاً لأولادي قبل أن أموت: يا أولادي ، هذا بيت يكرم مَنْ يدخله .
كلام على سبيل الخبر ولم أقل: أكرموا مَنْ يدخله ، فالذي يحترم وصيتي منهم يكرم مَنْ يدخل بيتي من بعدي ، والذي لا يحترم الوصية لا يُكرم مَنْ يدخله . أما لو قلت: أكرموا مَنْ يدخل هذا البيت فقد ألزمتَ الجميع بالإكرام .