أن الدين أشياء أخرى ، وهذه هي أُسُسه وقواعده ، وحين نتتبع هذه القواعد نجد أن الركن الأول ، وهو أشهد ألاّ إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله يمكن أن أقولها ولو مرة واحدة ، أما الزكاة فلا تجب مثلاً على الفقير فلا يزكي ، وكذلك المريض لا يصوم ، والمسافر والحائض . . إلخ ، وكذلك الحج غير واجب إلا على المستطيع .
إذن: ما هو الركن الثابت الذي يلازم كل مسلم ، ولا يسقط عنه بحال؟ إنها الصلاة ؛ لذلك أخذتْ مساحة كبيرة من الوقت على مدى اليوم والليلة ، وبها يكون إعلان الولاء الدائم لله تعالى ، وبها تفرق بين المؤمن وغير المؤمن ، فإنْ رأيتَ شخصاً مثلاً لا يصوم أو لا يزكي أو لا يحج ، فلك أنْ تقول ربما يكون من أصحاب الأعذار ، ومن غير القادرين ، لكن حين ترى شخصاً لا يُصلِّي ، وقد تكرَّر منه ذلك فإنك لا بُدَّ شاكّ في إسلامه .
لذلك استحقت الصلاة هذه المكانة بين سائر العبادات منذ بدايات التشريع ، ألا ترى أن كل فرائض الدين شُرعت بالوحي إلا الصلاة ، فقد شُرعت بالخطاب المباشر من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في رحلة المعراج .
وسبق أنْ مثَّلْنا لذلك ، ولله المثل الأعلى ، برئيس العمل الذي يُصدر أوامره بوسائل مختلفة حَسْب أهمية المأمور به ، فقد يكتفي بأن (يُؤشر) على ورقة ، وقد يُوصي بها ، أو يطلب الموظف المختص فيُحدِّثه (بالتليفون) ، فإنْ كان الأمر هاماً استدعاه شرطياً إلى مكتبه وكلَّفه بما يريد .
وكان هذا الاستدعاء تشريفاً لسيدنا رسول الله بقرب المرسل من المرسل ، فأراد الحق - سبحانه وتعالى - ألاَّ يحرم أمه محمد فضل أسبغه على محمد فكأنه قال: مَنْ أراد من عبادي أنْ يقرب من كما قرب محمد فكان قاب قوسين أو أدنى فليُصلِّ .