وفي موضع آخر يضرب لنا الحق سبحانه مثلاً في قمة العقيدة أيضاً فيقول سبحانه: {ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الحمد للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .
ففَرْق بين عبد مملوك لسيد واحد يتلقَّى منه وحده الأمر والنهي ، وبين عبد مملوك لعدة شركاء ، وليتهم متفقون ، لكن {شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ...} [الزمر: 29] مختلفون لكلٍّ أوامر ، ولكلٍّ منهم مطالب ، فكيف إذن يُرضيهم؟ وكيف يقوم بحقوقهم وهم يتجاذبونه؟
فالذي يعبد الله وحده لا شريك له كالعبد لسيد واحد ، والذين يعبدون الأصنام كالعبد فيه شركاء متشاكسون . إذن: فالحق سبحانه يضرب الأمثال للناس في الحقائق ليُبيِّنها لهم بياناً واضحاً .
ثم يقول الحق سبحانه: {إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا ...} .
يقول سبحانه: {إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ...} [العنكبوت: 42] لأنهم حين ضُيِّق عليهم الخناق قالوا: نحن لا نعبد الأصنام ، إنما نعبد الكواكب التي تُسيِّر هذه الأصنام أو الملائكة ، فردَّ الله عليهم: {مِن شَيْءٍ ...} [العنكبوت: 42] للتقليل ، كأنَّ ما يدعونه من دونه لا يُعَد شيئاً ، أو هو أتفه من أن يكون شيئاً ، أو يعلم سبحانه ما يدعون من دونه من أي شيء .
أو أن يعلم سبحانه ما يدعون من دونه من أي شيء .
أو أن (شيء) من قولنا: شاء يشاء شيئاً ، فالشيء ما يُراد من الغير أنْ يفعله ، والذي شاء هو الله تعالى ، وكأنهم يعبدون الشيء ويتركون خالقه ، وهو الأحقُّ بالعبادة سبحانه ، فماذا جرى لكم؟! تعبدون المخلوق وتتركون الخالق ، وبعد أن كرمكم الله تهينون أنفسكم ، وترضون لها الدون ، حيث تعبدون ما هو أقلّ منكم مرتبةَ في الخَلْق ، والأصنام جمادات ، وهي أدنى أجناس الوجود .