والمعنى: إنْ كنتم قد عجبتم من أن عيسى خُلِق بدون أب ، فكان ينبغي عليكم أنْ تعجبُوا أكثر من خَلْق آدم ؛ لأنه جاء بلا أب وبلا أم ، وإذا كنتم اتخذتم عيسى إلهاً ؛ لأنه جاء بلا أب ، فالقياس إذنْ يقتضي أن تكون الفتنة في آدم لا في عيسى .
والمسألة أن الله تعالى شاء أن يعلن خلْقه عن طلاقة قدرته في أنه لا يخلق بشكل مخصوص ، إنما يخلق كما يشاء سبحانه من أب وأم ، أو من دون أب ، ومن دون أم ، ويخلق من أب فقط ، أو من أم فقط .
إذن: هذه المسألة لا تخضع للأسباب ، إنما لإرادة المسبِّب سبحانه ، فإذا أراد قال للشيء: كُنْ فيكون . وقد يجتمع الزوجان ، ويكتب عليهما العقم ، فلا ينجبان ، وقد يصلح الله العقيم فتلد ، ويُصلح العجوز فتنجب - والأدلة على ذلك واضحة - إذن: فطلاقة القدرة في هذه المسألة تستوعب كل الصور ، بحيث لا يحدها حَدٌّ .
والحق سبحانه حين يضرب لنا الأمثال يريد بذلك أنْ يُبيِّن لنا الشيء الغامض بشيء واضح ، والمبهم بشيء بيِّن ، والمجمل بشيء مُفصَّل ، وقد جرى القرآن في ذلك على عادة العرب ، حيث استخدموا الأمثال في البيان والتوضيح .
ويُحكَي أن أحدهم ، وكان صاحب سمعة طيبة وسيرة حسنة بين الناس ، فحسده آخر ، وأراد أنْ يلصق به تهمة تُشوِّه صورته ، وتذهب بمكانته بين الناس فاتهمه بالتردد على أرملة حسناء ، وقد رآه الناس فعلاً يذهب إلى بيتها ، فتخرج له امرأة فيعطيها شيئاً معه .
ولما تحقق الناس من المسألة وجدوها عجوزاً لها أولاد صغار وهم فقراء ، وهذا الرجل يعطف عليهم ويفيض عليهم مما رزقه الله ، فلما عرفوا ذلك عن الرجل عظَّموه ، ورفعوا من شأنه ، وزاد في نظرهم مجداً وفضلاً .
وقد أخذ الشاعر هذا المعنى وعبَّر عنه قائلاً مستخدماً المثل:
وإذَا أرادَ الله نَشْر فَضِيلةٍ طُويَتْ ... أَتاحَ لَها لِسَانَ حَسُود
لَوْلا اشْتِعالُ النارِ فيما جاورَتْ ... مَا كان يعرف طِيب عَرْفِ العٌودِ