وقوله: (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(34) . أي: عذابًا، والرجز:
اسم كل عذاب فيه شدة؛ ألا ترى أنه قال في آية أخرى: (هَذَا يَومٌ عَصِيب) ، أي: شديد.
ثم ذكر أنه ينزل من السماء، فإن ثبت ما ذكر أن جبريل أدخل إحدى جناحيه تحت الأرض فرفع بها قريات لوط إلى السماء حتى سمع أهل السماء صياحهم وضجتهم، ثم أرسلها - فهو نزول العذاب من السماء، وأن قوله: (حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) ، أن السجيل لو كان مكانًا منه ينزل فهو في السماء؛ على ما يقول بعض الناس إنه مكان.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: هو اسم ذلك الحجر، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(35)
آية بينة لمن عقل وعرف السبب الذي أهلك قريات لوط؛ كقوله: (وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ(137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (138) . لماذا أهلكوا؟ أي: تعقلون هذه الأنباء والقصص التي ذكرها اللَّه - تعالى - في القرآن الكريم، وكررها، وأعادها مرة بعد مرة؛ لأن الأنباء والقصص إنما تذكر للحجاج على الكفرة، فتكرر وتعاد؛ ليحتج بها عليهم، وأمّا الأحكام فإنما هي لأهل الإسلام خاصة، فهم يطلبون ما عليهم من الأحكام؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.
ثم الكفرة كانوا على أصناف ثلاثة، منها: أهل العناد والمكابرة، وأهل شك وحيرة، وأهل استرشاد.
ومن كان همته الاسترشاد يؤمن بها بالبداهة، وفي أول ما وقع في مسامعهم؛ فلا تقع الحاجة إلى التكرار والإعادة.