{فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ ائتنا بِعَذَابِ الله إِن كُنتَ مِنَ الصادقين} [العنكبوت: 29] أي: من الصادقين في أنك مُبلِّغ عن الله ، فنحن من العاصين ، وأَرِنا العذاب الذي تتوعدنا به ، وقولهم {ائتنا بِعَذَابِ الله ...} [العنكبوت: 29] مع أن العذاب شيء مؤلم ، ولا يطلب أحد إيلام نفسه ، فهذا دليل على عدم فهمهم لهذا الكلام ، وأنهم غير متأكدين من صدقه ، وإلا لو وَثِقوا بصدقه ما طلبوا العذاب .
وفي موضع آخر ، حكى القرآن عنهم: {فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قالوا أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] .
إذن: حدث منهم موقفان وجوابان: الأول {ائتنا بِعَذَابِ الله ...} [العنكبوت: 29] فلما لم يُجبهم إلى هذا الطلب الأحمق ، وظل يتابع دعوته لهم ، فلم ييأس منهم لجأوا إلى حيلة أخرى ، فقالوا {أخرجوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ...} [النمل: 56] والعلة {إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} [النمل: 56] لأن الطَهْر في نظر هؤلاء عيب ، والاستقامة جريمة ، وهذا دليل على فساد عقولهم ، وفساد قياسهم في الحكم .
ثم يقول الحق سبحانه: {قَالَ رَبِّ انصرني ...} .
وفَرْق بين الفاسد في ذاته والمفسد لغيره ، فيا ليتهم كانوا فاسدين في أنفسهم ، إنما كانوا فاسدين مفسدين ، يتعدَّى فسادهم إلى غيرهم .
وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (31)
جاء هنا إبراهيم - عليه السلام - في سياق قصة لوط ، كما جاء لوط في سياق قصة إبراهيم . ومعنى {رُسُلُنَآ ...} [العنكبوت: 31] أي: من الملائكة ؛ لأن الله تعالى قال: {الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس ...} [الحج: 75] .