يقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى: رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ نَفْسًا، فَأَخَافُ إِنْ أَتَيْتُهُمْ فَلَمْ أَبِنْ عَنْ نَفْسِي بِحُجَّةٍ أَنْ يَقْتُلُونِ، لِأَنَّ فِي لِسَانِي عُقْدَةً، وَلَا أُبِينُ مَعَهَا مَا أُرِيدُ مِنَ الْكَلَامِ.
{وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا}
يَقُولُ: أَحْسَنُ بَيَانًا عَمَّا يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَهُ.
{فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا}
يَقُولُ: عَوْنًا.
{يُصَدِّقُنِي} أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ عَنِّي مَا أُخَاطِبُهُمْ بِهِ.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ:"أَيْ يُبَيِّنُ لَهُمْ عَنِّي مَا أُكَلِّمُهُمْ بِهِ، فَإِنَّهُ يَفْهَمُ مَا لَا يَفْهَمُونَ".
وَقِيلَ: إِنَّمَا سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ يُؤَيِّدُهُ بِأَخِيهِ، لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ إِذَا اجْتَمَعَا عَلَى الْخَيْرِ، كَانَتِ النَّفْسُ إِلَى تَصْدِيقِهِمَا أَسْكَنَ مِنْهَا إِلَى تَصْدِيقِ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كَيْمَا يُصَدِّقَنِي.
وَالرِّدْءُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: هُوَ الْعَوْنُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَدْ أَرْدَأْتُ فُلَانًا عَلَى أَمْرِهِ: أَيْ أَكْفَيْتُهُ وَأَعَنْتُهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: {يُصَدِّقُنِي} فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ: (رِدْءًا يُصَدِّقْنِي) بِجَزْمِ {يُصَدِّقُنِي} .
وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَحَمْزَةُ: {يُصَدِّقُنِي} ، بِرَفْعِهِ، فَمَنْ رَفَعَهُ جَعَلَهُ صِلَةً لِلرِّدْءِ، بِمَعْنَى: فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا مِنْ صِفَتِهِ يُصَدِّقُنِي؛ وَمَنْ جَزَمَهُ جَعَلَهُ جَوَابًا لِقَوْلِهِ فَأَرْسِلْهُ، فَإِنَّكَ إِذَا أَرْسَلْتَهُ صَدَّقَنِي، عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ. وَالرَّفْعُ فِي ذَلِكَ أَحَبُّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ، لِأَنَّهُ مَسْأَلَةٌ مِنْ مُوسَى رَبَّهُ أَنْ يُرْسِلَ أَخَاهُ عَوْنًا لَهُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ.
وَقَوْلُهُ: {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكْذِبُونِ}
يَقُولُ: إِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا يُصَدِّقُونِ عَلَى قُولِي لَهُمْ إِنِّي أُرْسِلْتُ إِلَيْكُمْ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (35) }