ولقد دخل هذا الشيخ على عثمان رضي الله عنه وهو مقتول، فوطئ في بطنه، فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال الحجاج: ردوه فلمّا ردوه قال له الحجاج: أنت الفاعل بأمير المؤمنين عثمان ما فعلت يوم قتل في الدار؟
إن في قتلك أيها الشيخ إصلاحا للمسلمين. يا سياف اضرب عنقه، فضرب عنقه، وكان من أمره بعد ذلك ما عرف وسطر.
ومن حكايات الحجاج ما حكي أنه لما أسرف في قتل أسرى دير الجماجم، وأعطى الأموال، بلغ ذلك أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، فشق عليه، وكتب إليه، أما بعد، فقد بلغني عنك إسراف في الدماء، وتبذير في العطاء، وقد حكمت عليك في الدماء في الخطأ بالدية، وفي العمد بالقود، وفي الأموال أن تردها إلى مواضعها، ثم تعمل فيها برأيي، فإنما هو مال الله تعالى، ونحن أمناؤه، فإن كنت أردت الناس لي فما أغناني عنهم، وإن كنت أردتهم لنفسك فما أغناك عنهم، وسيأتيك عني أمران: لين وشدة، فلا يؤمننك إلا الطاعة، ولا يوحشنك إلا المعصية، وإذا أعطاك الله عز وجل الظفر، فلا تقتلن جانحا، ولا أسيرا، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها ... وتطلب رضائي بالذي أنا طالبه
فإن تر منّي غفلة قرشية ... فيا ربما قد غصّ بالماء شاربه
وأن تر منّي وثبة أموية ... فهذا وهذا كلّ ذا أنا صاحبه
فلا تأمننّي والحوادث جمة ... فإنك تجزَى بالذي أنت كاسبه
فلا تعد ما يأتيك منّي وإن تعد ... يقمن به يوما عليك نوادبه
فلا تمنعنّ الناس حقا علمته ... ولا تعطين ما ليس للناس واجبه
فإنك إن تعطي الحقوق فإنّما ... النّوافل شيء لا يثيبك واهبه
فلما ورد الكتاب على الحجاج كتب إلى أمير المؤمنين أما بعد، فقد ورد كتاب أمير المؤمنين بذكر إسرافي وتبذيري في الأموال. ولعمري ما بلغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حقوق أهل الطاعة، فإن كان قتلي العصاة إسرافا وإعطائي المطيعين تبذيرا، فليمض لي أمير المؤمنين ما سلف والله ما أصبت القوم خطأ فأوديهم ولا ظلمتهم عمدا فأقاديهم ولا قتلت إلا لك، ولا أعطيت إلا فيك، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، وكتب في أسفل الكتاب:
إذا أنا لا أبغي رضاك وأتّقي ... أذاك فليلي لا توارى كواكبه
وما لامرئ بعد الخليفة جُنّة ... تقيه من الأمر الذي هو راكبه
إذا قارف الحجاج فيك خطيئة ... لقامت عليه بالصباح نوادبه
إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه ... واقص الذي تسري إليّ عقاربه