وعرض كتاب الله بعد ذلك ما قام به فرعون من مغالطة مكشوفة، تأييد لعقيدته الفاسدة، وتثبيتا لها في نفوس الأغرار والأغمار من قومه، مستعينا بهامان مستشار دولته، والمدافع عن عقيدته {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} أي أنا مالك رقابكم الوحيد، الذي تلزمكم طاعتي والخضوع لأمري دون غيري {فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى} ، وما دام أي بناء ولو بلغ أعلى عليين، لا يصل متسلقه إلى عرش رب العالمين، لكونه لا يحده زمان ولا مكان، ولا يدركه بصر أي إنسان، فسيتخذ فرعون من ذلك ذريعة لإنكار الألوهية، ويجعل موسى امام الملأ موضع
تهكم وسخرية، مشككا فيه وفي عقيدته إذ يقول: {وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} .
ووصف كتاب الله ما كان عليه فرعون وجنود من عتو واستكبار، وإهدار لحقوق الخلق واستهتار ثم عقب على ذلك بإغراقهم في البحر وأخذهم أخذ عزيز مقتدر، جزاء وفاقا لكل طاغية متجبر، فقال: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ} .
قال الزمخشري:"هذا من الكلام الفخم الذي دل به (كتاب الله) على عظمة شأنه، وكبرياء سلطانه، شبههم استحقارا لهم واستقلالا لعددهم وإن كانوا الكثر الكثير، والجم الغفير بحصيات أخذهن آخذ في كفه فطرحهن في البحر، ونحو ذل قوله تعالى: {وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67] وما هي إلا تصويرات وتمثيلات لاقتدراه، وأن كل مقدور وإن عظم وجل فهو مستصغر إلى جنب قدرته سبحانه وتعالى".