وكون المراد بالسيئة هنا الشرك، لا يمنع من أن الذي يرتكب السيئات من المسلمين، يعاقب عليها ما لم يتب منها فالله - تعالى - يقول: لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ. مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ، وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً.
ثم يأمر الله - تعالى - نبيه أن يعلن للناس منهجه في دعوته فيقول: إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها. وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ ...
والمراد بالبلدة الذي حرمها: مكة المكرمة التي عظم الله - تعالى - حرمتها، فجعلها حرما آمنا، لا يسفك فيها دم، ولا يصاد فيها صيد، ولا يعضد فيها شجر. وقوله: الَّذِي حَرَّمَها صفة للرب.
وخصت مكة بالذكر: تشريفا لها، ففيها البيت الحرام الذي هو أول بيت وضع في الأرض.
أي: قل - أيها الرسول الكريم - للناس: إن الله - تعالى - أمرنى أن أخلص لله - سبحانه - عبادتي، فهو رب البلد الحرام مكة، ورب كل شيء، وله جميع ما في هذا الكون خلقا، وملكا، وتصرفا.
وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ أي: وأمرنى كذلك أن أكون من الثابتين على دينه، المنقادين لأمره، المسلمين له وجوههم، وأمرنى - أيضا - أن أتلو القرآن على مسامعكم، لأنه هو معجزتي الدالة على صدقى.
فَمَنِ اهْتَدى إلى الحق الذي جئته به، وبينته له فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ أي: فإن منافع هدايته تعود إلى نفسه.
وَمَنْ ضَلَّ عن طريق الحق، وأعرض عن دعوتي، فَقُلْ إِنَّما أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ.
أي: ومن ضل عن الهدى بعد أن نصحته وأرشدته، فقد أمرنى ربي أن أقول له: إنما أنا من المنذرين للضالين بسوء العاقبة، ولست عليهم بحفيظ، أو بمكره إياهم على الإيمان.
ثم ختم السورة الكريمة بهذا التوجيه الكريم، للرسول صلّى الله عليه وسلّم فقال - تعالى -:
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.
أي: وقل - أيها الرسول الكريم - للناس: الثناء كله، والفضل كله، لله - تعالى - وحده. وهو - سبحانه - سَيُرِيكُمْ آياتِهِ الدالة على وحدانيته وقدرته فَتَعْرِفُونَها أي: فتعرفون صدقها ..