أي: في هذا اليوم الهائل الشديد، يفزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، وترى الجبال الراسيات الشامخات، تَحْسَبُها جامِدَةً أي ثابتة في أماكنها، والحال أنها تمر في الجو مر السحاب، الذي تسيره الرياح سيرا حثيثا.
وهكذا تصور الآيات الكريمة أهوال ذلك اليوم هذا التصوير البديع المعجز المؤثر، فالناس جميعا - إلا من شاء الله - فزعون وجلون، والجبال كذلك كأنها قد أصابها ما أصاب الناس، حتى لكأنها - وهي تسرع الخطا - . السحاب في خفته ومروقه وتناثره، ثم يعقب - سبحانه - على كل ذلك بقوله صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ.
ولفظ صُنْعَ يجوز أن يكون منصوبا على الإغراء أي: انظروا صنع الله - تعالى - الذي أتقن كل شيء فقد أحسن - سبحانه - ما خلقه وأحكمه، وجعله في أدق صورة، وأكمل هيئة، وصدق الله - تعالى - إذ يقول وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً.
قال صاحب فتح القدير: وانتصاب «صنع» على المصدرية، أي: صنع الله ذلك صنعا. وقيل هو مصدر مؤكد لقوله: وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وقيل منصوب على الإغراء.
وجملة: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ تعليل لما قبله. أي: صنع الله ما خلقه على هذا
الإحكام العجيب، والإتقان البديع، لأنه - سبحانه - خبير بما تفعلونه ومطلع على ما تخفونه وما تعلنونه.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جزاء من أحسن، وبيان جزاء من أساء، وببيان منهج الرسول صلّى الله عليه وسلّم في دعوته فقال - تعالى -:
[سورة النمل (27) : الآيات 89 إلى 93]
(مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ(89)
وقوله - سبحانه -: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها بيان وتفصيل لمظاهر علم الله - تعالى - لكل ما يفعله الناس، الذي أشير إليه قبل ذلك بقوله: إِنَّهُ خَبِيرٌ بِما تَفْعَلُونَ.
والمراد بالحسنة: كل ما يقوله أو يفعله المسلم من قول طيب، ومن عمل صالح، فيشمل النطق بالشهادتين، وأداء ما كلف الله الإنسان بأدائه من فرائض وواجبات، واجتناب السيئات والشبهات.