وقد ذكر رزقهم من السماء والأرض بعد ذكر البدء والإعادة ، لأن رزق السماء والأرض له علاقة بالبدء والإعادة. فعلاقة رزق الأرض بالبدء معروفة فهو الذي يعيش عليه العباد. وعلاقته بالإعادة أن الناس يجزون في الآخرة على عملهم وتصرفهم في هذا الرزق الذي أعطوه في الدينا.. وعلاقة رزق السماء بالبدء واضحة. فهو في الدنيا للحياة ، وهو في الآخرة للجزاء.. وهكذا تبدو دقة التناسق في السياق القرآني العجيب.
والبدء والإعادة حقيقة. والرزق من السماء والأرض حقيقة. ولكنهم يغفلون عن هذه الحقائق ، فيردهم القرآن إليها في تحد وإفحام:
{أَإِله مع الله؟} .. {قل: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين} ..
وإنهم ليعجزون عن البرهان ، كما يعجز عنه من يحاوله حتى الآن. وهذه طريقة القرآن في الجدل عن العقيدة. يستخدم مشاهد الكون وحقائق النفس ؛ فيجعل الكون كله إطاراً للمنطق الذي يأخذ به القلوب ؛ ويوقظ به الفطرة ويجلوها لتحكم منطقها الواضح الواصل البسيط ؛ ويستجيش به المشاعر والوجدانات بما هو مركوز فيها من الحقائق التي تغشيها الغفلة والنسيان ، ويحجبها الجحود والكفران.. ويصل بهذا المنطق إلى تقرير الحقائق العميقة الثابتة في تصميم الكون وأغوار النفس ؛ والتي لا تقبل المراء الذي يقود إليه المنطق الذهني البارد ، الذي انتقلت عدواه إلينا من المنطق الإغريقي ، وفشا فيما يسمى علم التوحيد ، أو علم الكلام!
وبعد هذه الجولة في الآفاق وفي أنفسهم لإثبات الوحدانية ونفي الشرك. يأخذ معهم في جولة أخرى عن الغيب المستور الذي لا يعلمه إلا الخالق الواحد المدبر ، وعن الآخرة وهي غيب من غيب الله ، يشهد المنطق والبداهة والفطرة بضرورته ؛ ويعجز الإدراك والعلم البشري عن تحديد موعده: