{فمكث غير بعيد فقال: أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم. وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل، فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} ..
إنه يعرف حزم الملك وشدته. فهو يبدأ حديثه بمفاجأة تطغى على موضوع غيبته، وتضمن إصغاء الملك له: {أحطت بما لم تحط به، وجئتك من سبأ بنبأ يقين} .. فأي ملك لا يستمع وأحد رعاياه يقول له: {أحطت بما لم تحط به} ؟!
فإذا ضمن إصغاء الملك بعد هذه المفاجأة أخذ في تفصيل النبأ اليقين الذي جاء به من سبأ ومملكة سبأ تقع في جنوب الجزيرة باليمن فذكر أنه وجدهم تحكمهم امرأة، {أوتيت من كل شيء} وهي كناية عن عظمة ملكها وثرائها وتوافر أسباب الحضارة والقوة والمتاع. {ولها عرش عظيم} . أي سرير ملك فخم ضخم، يدل على الغنى والترف وارتقاء الصناعة. وذكر أنه وجد الملكة وقومها {يسجدون للشمس من دون الله} وهنا يعلل ضلال القوم بأن الشيطان زين لهم أعمالهم، فأضلهم، فهم لا يهتدون إلى عبادة الله العليم الخبير {الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض} . والخبء: المخبوء إجمالاً سواء أكان هو مطر السماء ونبات الأرض، أم كان هو أسرار السماوات والأرض. وهي كناية عن كل مخبوء وراء ستار الغيب في الكون العريض. {ويعلم ما تخفون وما تعلنون} وهي مقابلة للخبء في السماوات والأرض بالخبء في أطواء النفس. ما ظهر منه وما بطن.
والهدهد إلى هذه اللحظة يقف موقف المذنب، الذي لم يقض الملك في أمره بعد؛ فهو يلمح في ختام النبأ الذي يقصه، إلى الله الملك القهار، رب الجميع، صاحب العرش العظيم، الذي لا تقاس إليه عروش البشر.
ذلك كي يطامن الملك من عظمته الإنسانية أمام هذه العظمة الإلهية: