{الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} ..
فيلمس قلب سليمان في سياق التعقيب على صنع الملكة وقومها بهذه الإشارة الخفية!
ونجد أنفسنا أمام هدهد عجيب. صاحب إدراك وذكاء وإيمان، وبراعة في عرض النبأ، ويقظة إلى طبيعة موقفه، وتلميح وإيماء أريب .. فهو يدرك أن هذه ملكة وأن هؤلاء رعية. ويدرك أنهم يسجدون للشمس من دون الله. ويدرك أن السجود لا يكون إلا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض، وأنه هو رب العرش العظيم .. وما هكذا تدرك الهداهد. إنما هو هدهد خاص أوتي هذا الإدراك الخاص، على سبيل الخارقة التي تخالف المألوف.
ولا يتسرع سليمان في تصديقه أو تكذيبه؛ ولا يستخفه النبأ العظيم الذي جاءه به. إنما يأخذ في تجربته، للتأكد من صحته. شأن النبي العادل والملك الحازم:
{قال: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين. اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم، ثم تول عنهم، فانظر ماذا يرجعون} .
ولا يعلن في هذا الموقف فحوى الكتاب، فيظل ما فيه مغلقاً كالكتاب نفسه، حتى يفتح ويعلن هناك. وتعرض المفاجأة الفنية في موعدها المناسب!
ويسدل الستار على هذا المشهد ليرفع فإذا الملكة وقد وصل إليها الكتاب، وهي تستشير الملأ من قومها في هذا الأمر الخطير:
{قالت: يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم. إنه من سليمان، وإنه باسم الله الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين} ..
فهي تخبرهم أنه ألقي إليها كتاب. ومن هذا نرجح أنها لم تعلم من ألقى إليها الكتاب، ولا كيف ألقاه. ولو كانت تعرف أن الهدهد هو الذي جاء به كما تقول التفاسير لأعلنت هذه العجيبة التي لا تقع كل يوم. ولكنها قالت بصيغة المجهول. مما يجعلنا نرجح أنها لم تعلم كيف ألقي إليها ولا من ألقاه.