(بل هم في شك منها) أي بل هم اليوم في الدنيا في شك من الآخرة ثم أضرب عن ذلك إلى ما هو أشر منه فقال: (بل هم منها عمون) فلا يدركون شيئاً من دلائلها لاختلال بصائرهم التي يكون بها الإدراك و (عمون) جمع عم، وهو من كان أعمى القلب، والمراد بيان جهلهم بها على وجه لا يهتدون إلى شيء مما يوصل إلى العلم بها فمن قال: إن معنى الآية الأولى أنه كمل علمهم وتم مع المعاينة، فلا بد من حمل قوله بل هم في شك الخ على ما كانوا عليه في الدنيا، ومن قال: إن معنى الآية الأولى الاستهزاء بهم والتبكيت لهم لم
يحتج إلى تقييد قوله بل هم في شك الخ بما كانوا عليه في الدنيا وبهذا يتضح معنى هذه الآيات ويظهر ظهوراً بيناً، والإضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم وتكرير لجهلهم.
ولما ذكر سبحانه أن المشركين في شك من البعث وأنهم عمون عن النظر في دلائله أراد أن يبين غاية شبهتهم وهي مجرد استبعاد إحياء الموتى بعد صيرورتهم تراباً فقال:
(وقال الذين كفروا أئذا كنا تراباً وآباؤنا أئنا لمخرجون) المعنى أنهم استنكروا واستبعدوا أن يخرجوا من قبورهم أحياء بعد أن قد صاروا تراباً.
ثم أكدوا ذلك الاستبعاد بما هو تكذيب للبعث فقالوا:
(لقد وعدنا هذا) يعنون البعث (نحن وآباؤنا من قبل) أي من قبل وعد محمد - صلى الله عليه وسلم - لنا وقد مرت الدهور على هذا الوعد ولم يقع منه شيء، فذلك دليل على أنه لا حقيقة له والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإنكار مصدرة بالقسم لزيادة التقرير.
(إن هذا) "الوعد بالبعث" (إلا أساطير الأولين) أي أحاديثهم وأكاذيبهم الملفقة التي كتبوها ولا حقيقة لها وقد تقدم تحقيق معنى الأساطير في سورة المؤمنين ثم أوعدهم سبحانه على عدم قبول ما جاءت به الأنبياء من الإخبار بالبعث فأمرهم بالنظر في أحوال الأمم السابقة المكذبة للأنبياء وما عوقبوا به وكيف كانت عاقبتهم فقال: