على أن هذا لا يمنع من تخيل هذه الدابة إذا كان ذلك على وجه الظن والتخمين، لإبراز ان خروجها من أمكن الممكنات طبعا وسمعا، فقد ثبت علميا ان ظهور الإنسان فوق سطح الأرض سبقه وجود حيوانات غريبة في شكلها وحجمها، ثم انقرضت قبل أن يتولى الإنسان الخلافة عن الله، والله تعالى قادر على أن يخلق مثلها أو أكبر منها حجما وضخامة {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ} [الروم: 27] . وقد تكون الدابة عبارة عن إنسان مسيخ مسخه الله في شكل بهيمة، لكن أبقى له ملكة النطق، ليكلم شرار الخلق باللغة التي يفهمونها، كما مسخ أناسي من قبل، فجعلهم قردة وخنازير {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ} [المائدة: 60] وقد تكون هذه الدابة في منتهى الصغر ودقة الحجم من جنس الحشرات الضارة،
والجراثيم الفتاكة التي لم يعرفها الإنسان أبدا، فتهجم عليه في مختلف أطراف الأرض، وتتسلط عليه تسلطا عاما، وتؤذيه أذى كبيرا، دون ان يستطيع الخلاص منها ولا مقاومتها، رغما عما يتبجح به من بسطة في العلم، وتفنن في وجوه الحيلة، فيكون ذلك آية من آيات الله البينات، وعقابا لمن انتهكوا جميع الحرمات، كما أشار إلى هذا الاحتمال الأخير الأستاذ فريد وجدي في موسوعته (دائرة معارف القرن العشرين) .
ومن السوابق في هذا الباب ما ابتلى الله به فرعون وقومه خاصة، من دون الناس عامة، إذ قال تعالى في سورة الأعراف: {وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [132، 133] .