وقيل: يقضى بينهم في الدنيا بإظهار ما حرفوه، وبيان الحق فيما اختلفوا فيه وهو سبحانه"العزيز"أي: الغالب الذي لا يرد أمْرُه، ولا يعارَضُ قضاؤه"العليم"بكل شيءٍ من الأشياء لا تخفى عليه خافية، أو هو العزيز في انتقامه من المبْطلين، العلم بما بينهم وبين المحقين.
79 - {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} :
أمرٌ للرسول - صلى الله عليه وسلم - بالتوكل عليه - جل شأْنه - مرتَّبٌ على ما ذكر من شئونه - تعالى - فإنها موجبة للتوكل عليه وداعية إلى الإنابة إليه، أي: فتوكَّل على الله الذي عصمك من كيد الكائدين، وأمدك بتأييده ونصرته على أَعدائك، وإن خالفك من خالفك ممن كتبت عليهم الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون؛ لأنك على الحق البيِّن، وهو الدين القيِّم الذي تنزه عن كل شك أو شبهة، وفي ذلك بيان بأَن صاحب الحق حقيق بالوثوق بالله وبنصرته لا محالة.
80 - {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} :
أي: إنك - أيها النبي - لا تستطيع هداية هؤلاءِ الكافرين إلى شيء ينفعهم لأَنهم كالموتى، حيث إنهم فقدوا الحس والعقل والإدراك فلا يَعُون شيئًا ممَّا يسمعون، ولا ينتفعون بما يتلى عليهم من القوارع والزواجر، شأْنهم في ذلك وهم أحياءٌ شأن الموتى في القبور الذين يستحيل عليك إسماعهم أي شيءٍ ينفعهم، وذلك موجب لقطع الطمع في هدايتهم، وداع إلى تفويض الأَمر إلى الله والتوكل عليه.
وهم كالصم الذين فقدوا أَداة السمع يصيح بهم الداعى إلى الحق فلا يسمعون النداءَ مع أَنهم صحاح الحواس، ذلك لأَن شأْن الأَصم عدم السماع ولو كان الداعى أَمامه، وبمقابلة صماخه فكيف يكون حال هؤلاءِ الصم إذا ابتعدوا عن الداعى وتولوا عنه مدبرين؟ لا شك أن عدم سماعهم للدعاءِ يكون أشد وأقوى، فإنهم مع صممهم معرضون عن الداعى، وفي ذلك من التأكيد والمبالغة في عدم السماع لدعوة الحق ما فيه مما لا يخفى، وإطلاق الإسماع بعدم ذكر المسموع لبيان عدم سماعهم لشيءٍ من المسموعات.