كما قال سبحانه: {قُلِ اللهم مَالِكَ الملك تُؤْتِي الملك مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الملك مِمَّنْ تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ الخير} [آل عمران: 26] .
وقد وقف العلماء عند قوله تعالى عن نفسه: {بِيَدِكَ الخير} [آل عمران: 26] فاجتهد بعضهم فقال: التقدير: بيدك الخير والشر ، وهذا التقدير يدل على عدم فهْم لمعنى الآية فما عند الله خير في كل الأحوال ؛ لأن إيتاء الملْك لمن ينصف في الرعية خير ، ونزع الملْك ممَّنْ يطغى به ويظلم خير أيضا ؛ لأن الله سلب منه أداة الطغيان حتى لا يتمادى ، ففي كلٍّ خير .
وما دام من صفاته تعالى أنه عزيز عليم حكيم رحيم ذو فضل ، فاطمئن أيها المؤمن بالله ، وتوكل على الله .
ثم يقول الحق سبحانه: {فَتَوَكَّلْ عَلَى الله}
والتوكل: أن تستضعف نفسك في شيء تحاول أن تقضيه بقوة فلا تجدها عندك ، والتوكل الحق لا يكون إلا على الله الحي الذي لا يموت ، أما إن توكلْتَ على بشر مثلك فقد يُفاجِئه الموت قبل أنْ يقضي لك حاجتك .
وقال {إِنَّكَ عَلَى الحق المبين} [النمل: 79] أي: أنك تتوكل على الله وأنت على الحق وعلى الطاعة له عز وجل ، لا على معصيته ، وما دُمْتَ تتوكل على الله وأنت على حال الطاعة فلا بُدَّ أن يكون نصيركَ ومعينَك .
ثم يُسلِّي الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم ويُعزيه كي لا يألم على مَنْ شردوا منه فلم يؤمنوا: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى}
والمعنى: لا تحزن يا محمد ، ولا تُهلك نفسك على هؤلاء الذين لم يؤمنوا من قومك ، فما عليك إلا البلاغ . والبلاغ كلام له أداة استقبال في السامع هي الأذن ، فإذا تعطلَتْ هذه الأداة لن يسعموا ، وهؤلاء القوم تعطلَتْ عندهم أداة السمع ، فهم كالموتى والذين أصابهم الصمم ، فآيات الله الكونية كثيرة من حولهم ، لكن لا يروْن ولا يسمعون .