ويروي أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن يُزوِّج ابنته فاطمة من عمر بن عبد العزيز اختبره بهذا السؤال ليعرف ميزانه في الحياة: يا عمر ، ما نفقتك؟ قال: يا أمير المؤمنين ، نفقتي حسنة بين سيئتين ، ثم تلا هذه الآية: {والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً} [الفرقان: 67] .
فعلم الخليفة أن زوج ابنته يسير سَيْراً يضمن له ولزوجته مُقوّمات الحياة ، ويضمن كذلك المقومات العليا للنفس وللمجتمع .
وسبق أن ذكرنا أن الإنسان الذي ينفق كل دَخْله لا يستطيع أن يرتقي بحياته وحياة أولاده ؛ لأنه أسرف في الإنفاق ، ولم يدخر شيئاً ليبني مثلاً بيتاً ، أو يشتري سيارة . . الخ .
ومصيبة المجتمع أعظم في حال التقتير ، فمصلحة المجتمع أنْ تُنفق ، وأن تدخر ، كما قال سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط} [الإسراء: 29] .
وهكذا جعل الله لنا ميزاناً بين الإسراف والتقتير ؛ ذلك لأن المال قِوَام الحياة ، والذي يُقتِّر يُقتِّر على نفسه وعلى الناس ، فليست له مطلوبات يشتريها ، ويشارك بها في حركة الحياة ، وينتفع بها غيره ، فهذه السلع وهذه الصناعات وهؤلاء العمال ، وأهل الحِرَف من أين يرتزقون إذن وليس هناك استهلاك ورواج لسلعهم؟ لا شَكَّ أن التقتير يُحدِث كساداً ، ويُحدِث بطالة ، وهما من أشد الأمراض فتكاً بالمجتمع .
ولو نظرتَ إلى رغيف العيش ، وهو أبسط ضروريات الحياة ، كم وراءه من عمال وصُنَّاع وزُرَّاع ومهندسين ومطاحن ومخازن ومصانع وأفران ، وهَبْ أنك أحجمت مثلاً عنه ، ماذا يحدث؟
إذن: ربك يريدك أن تنفق شيئاً ، وتدخر شيئاً يتيح لك تحقيق ارتقاءات حياتك وطموحاتها ؛ لذلك خُتِمَتْ الآية السابقة بقوله تعالى: {فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً} [الإسراء: 29] .