لذلك وصف الملائكة بأنهم {عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ} [الأنبياء: 26] وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قُلْناه في معنى العباد ، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة: {أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ} [الفرقان: 17] .
فقال للضالين (عبادي) وهي لا تُقال إلا للطائعين ، لماذا؟ قالوا: لأن في القيامة لا اختيارَ لأحد ، فالجميع في القيامة عباد ، حيث انتفى الاختيار الذي يُميِّزهم .
والعلماء يقولون: إن العباد تُؤخَذ منها العبادية ، وأن العبيد تُؤخَذ منها العبودية: العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله ، وينتهي عن نواهيه طمعاً في ثوابه في الآخرة ، وخوفاً من عقابه فيها ، إذن: جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنّب عقابها .
أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة ، إنما إلى أن الله تعالى تقدّم بإحسانه على عبيده إيجاداً من عدم ، وإمداداً من عُدْمٍ ، وتربية وتسخيراً للكون ، فالله يستحق بما قدّم من إحسان أن يُطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثواباً أو عقاباً .
أما العبودة فهي: ألاَّ ينظر العبد إلى ما قدَّم من إحسان ، ولا ما أخّر من ثواب وعقاب ، وإنما ينظر إلى أن جلال الله يستحق أنْ يطُاع ، وإنْ لم يسبق له الإحسان ، وإنْ لم يأتِ بعد ذلك ثواب وعقاب .
وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة: متى استعبدتم الناس ، وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خيْر عبده ، أما العبودية لله تعالى فِعزٌّ وشرف ، حيث يأخذ العبد خَيْر سيده ، فهي عبودية سيادة ، لا عبودية قهر .
فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام: يقول لك: إنْ أردت أنْ أذكرك فاذكرني ، وفي الحديث القدسي:"مَنْ ذكرني في نفسه ذكرتُه في نفسي ، ومَنْ ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم".