وأنكرنا مقالتهم فيما كتبناه على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} فيما سبق.
وقلنا في الإنكار عليهم:
"وزعموا"أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه، أو طمع في ثوابه، (( وأخطأوا فيما زعموا ) ).
وذكرنا إثر ذلك بعض الأدلة التي اعتمدنا عليها.
وبعد أن مضى على ذلك ثلاثة أشهر كاملة!! نشر الشيخ المولود الحافظي مقالًا رداً علينا، دون أن يذكر جميع أدلتنا، ودون أن يتعرض لنقضها في سندها أو متنها، أو عدم انطباقها، أو إفادتها لما سبقت لإفادته، ودون أن يعارضها بمثلها في الرتبة والدلالة.
وأطال بما بعضه خارج عن محل النزاع، وبعضه هو نفس الدعوى المحتاجة إلى الاستدلال. فرأينا - إثر إطلاعنا على مقاله - أن نعود لذكر أدلتنا التي اعتمدنا عليها فيما اخترناه: من أن وضع العبادة الشرعية، على رجاء الثواب وخوف العقاب، وبيان دلالتها على المدعى. ثم نتكلم على بعض ما في مقاله، فنقول:
حقيقة العبادة:
إن العبادة هي غاية الذل والخضوع، مع الشعور بغاية الضعف والافتقار. ومن مقتضى الضعف أن يخاف ويَوْجَلَ، ومن مقتضى الافتقار أن يرجو ويطمع:
1 -فخوف العبد من عقاب ربه، هو من مقتضى اعترافه بضعفه وقوة ربه، وشهوده لعزته وقهره، وعموم تصرفه في خلقه، وأنه لا معقب لحكمه، وأنه لا يؤمن من مكروهه.
2 -وطمعه في ثوابه، هو من مقتضى اعترافه بحاجته وفقره وغنى ربه، وفضله، وتصديقه بوعده؛ فهو يعبده ويخاف ألا يقبل عبادته، ويخشى نقمته. ويعبده ويرجو رحمته، وينتظر مثوبته. وفي عبادته هذه إظهار لغاية العبودية بنقصها وحاجتها، وقيام بحق التعظيم والإجلال للربوبية، والاعتراف لذلك المقام بالقدرة والعزة، والغنى والرحمة والكمال.
فوضعت العبادة في الدين على خوف العقاب، ورجاء الثواب، لما في ذلك من إظهار غاية عبودية العبد بضعفه وافتقاره، أمام ربه الغني الرحيم القوي المتين.
الأدلة:
والدليل على هذا ستسمعه، من الكتاب، والسنة، وأقوال السلف:
أولاً: أما الكتاب: فقوله تعالى: