وزعموا أن كمال التعظيم لله ينافيه أن تكون العبادة معها خوف من عقابه، أو طمع في ثوابه. وأخطاؤا فيما زعموا:
فإن العبادة مبناها الخضوع والذل والافتقار، والشعور بالحاجة والاضطرار. وإظهار العبد هذه العبودية بأتمها، ومن أتم مظهر لها، أن يخاف، ويطمع، كما يذل، ويخضع؛ ففي إظهار كمال نقص العبودية القيام بحق الإجلال والتعظيم للربوبية.
ولهذا كان الأنبياء - عليهم وآلهم الصلاة والسلام - هم أشد الخلق تعظيماً لله، وأكثرهم خوفاً من الله، وتعوذاً من عذاب الله، وسؤالًا لما عند الله، وكفى بهم حجة وقدوة.
وإن هذه المقالة (1) تكاد تُفضي إلى طرح الرجاء والخوف، وعليهما مبنى الأعمال، لما فيهما من ظهور العبودية بالذل والاحتياج.
ومن دعاء القنوت الثابت المحفوظ: «وإليك نسعى ونحفد (2) ، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد» وهذا ضروري في الدين.
ولكن مثل هذه المقالة إنما يجر إليها:
الغلو وقلة الفقه في الدين، وفي الكتاب والسنة، وما كان عليه هَدْيُ السابقين الأولين.
إعتبار ونصيحة:
إن جهنم هي أقبح مستقر وأقبح مقام.
وإن الدنيا هي مطية الآخرة؛ فمن ساء مستقره ومقامه في الدنيا، ساء كذلك مستقره ومقامه في الآخرة.
وإن ملازمة العذاب في الآخرة على قدر ملازمة المعاصي في الدنيا؛ فمن لازمها بالكفر،
ومات عليه، دامت له تلك الملازمة، ومن لازمها بالإصرار على الكبائر كانت له، على حسب تلك الملازمة.
فعلى العاقل أن يحسن مقره ومقامه، وأن يجتنب كل موطن تلحقه فيه الملامة، وأن يجتنب مجالس السوء والبدعة، ويلازم مجالس الطاعة والسنة.
وأن يسرع بالتوبة مفارقاً الذنوب، وألا يصر على شيء من القبائح والعيوب.
وأن يكون سريع الرجوع إلى الله ولو عظم ذنبه وبلواه، فالله يحب التوابين ويغفر للأوابين جعلنا منهم أجمعين آمين.
أيهما أكمل:
العبادة مع رجاء الثواب وخوف العقاب؟ أم العبادة دونهما؟
زيادة بيان على قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} .
تمهيد:
قد قال قوم: إن العبادة دون رجاء ثواب ولا خوف عقاب هي أكمل العبادات!.