وقوله تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] .
فهو أدب مشروع مؤكد وحكم دائم محكم، وهو في معاملات الأفراد كما ترى.
فلا ينافي ما شرع من الحرب عند وجود أسبابها، وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات. وهي من الأمور العامة كما ترى.
فبطل قول من زعم أن هذه الآية بالنسبة لغير المسلم منسوخة بآية السيف، لأن هذه الآية ثابت حكمها في حال وآية السيف ثابت حكمها في حال أخرى، فلا تنسخ إحداهما الأخرى. وما أكثر ما قتلت أحكام بآية السيف هذه! وهي عند التحقيق غير معارضة لها؛ لمباينة حالها لحالها.
تمثيل واستدلال:
جاء في الصحيح من طرق مجموع ألفاظها:
أَنَّ رَهْطًا مِنْ الْيَهُودِ دَخَلُوا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكُمْ (والسام الموت) ففهمتها عائشة - رضي الله عنها - فقالت: وَعَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْكُمْ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: - مَهْلاً يَا عَائِشَةُ عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَإِيَّاكِ وَالْعُنْفَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا. فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؛ فَقَالَ لَهَا: أَوَلَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْتُ؛ رَدَدْتُ عَلَيْهِمْ: قد قلت: «وَعَلَيْكُمْ» فَيُسْتَجَابُ لِي فِيهِمْ (لأنه دعاء بحق) وَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيَّ (1) (لأنه دعاء بباطل وظلم) .
فقد خاطبه هؤلاء الجاهلون بالسوء فقال لهم كلمة سالمة من القبح، ليس فيها لفظ الإذاية، وهو السام، بعيدة عن الإفحاش، خالصة للرفق، فهي من العقول السلام: أي ذي السلام من مقتضى الآية على الوجه الأول من وجهيها.
ففي الحديث مثال لقول السلام في خطاب الجاهل، ودليل على عموم الحكم وإحكامه.
سؤال وجوابه:
على الوجه الثاني في الآية وهو أنه يقول للجاهل سلاماً، يقال: هل يسلم عليه إذا كان كافراً؟.