قال ابن عطية: ويشبه أن يتأوّل هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هوناً مناسبة لمشيه ، وأما أن يكون المراد صفة المشيء وحده ، فباطل ، لأنه ربّ ماش هوناً رويداً ، وهو ذئب أطلس ، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صيب.
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً} ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه ، فلا يجهلون مع من يجهل ، ولا يسافهون أهل السفه.
قال النحاس: ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم ، تقول العرب: سلاماً أي: تسلماً منك أي: براءة منك ، منصوب على أحد أمرين: إما على أنه مصدر لفعل محذوف أي: قالوا: سلمنا سلاماً ، وهذا على قول سيبويه ، أو على أنه مفعول به أي: قالوا: هذا اللفظ ، ورجحه ابن عطية.
وقال مجاهد: معنى {سلاماً} : سداداً ، أي: يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفق ولين.
قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين لكنه على قوله تسليماً منكم ، ولا خير ، ولا شرّ بيننا وبينكم.
قال المبرد: كان ينبغي أن يقال: لم يؤمر المسلمون يومئذٍ بحربهم ، ثم أمروا بحربهم.
وقال محمد بن يزيد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة.
قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاماً في معنى الناسخ ، والمنسوخ إلاّ في هذه الآية ، لأنه قال في آخر كلامه: فنسختها آية السيف.
وأقول: هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه ، ومشى في غير طريقته ، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين ، ولا نهوا عنه.
بل أمروا بالصفح ، والهجر الجميل ، فلا حاجة إلى دعوى النسخ.
قال النضر بن شميل: حدّثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي ، وكان من أعلم من رأيت.
فإذا هو على سطح ، فسلمنا ، فردّ علينا السلام ، وقال لنا: استووا ، فبقينا متحيرين ، ولم ندر ما قال ، فقال لنا أعرابيّ إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا.