والالتفات إلى نون العظمة في قوله سبحانه: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} ، لإِبراز كمال العناية بإنزال الماء بمعني: أَنزلنا بعظمتنا ورحمتنا ماءً طاهرًا في نفسه مطهرًا لغيره، فالمياه المنزلة من السماء والمودعة في الأَرض طاهرة مطهرة، ووصفه بطهور إعظامٌ للمنَّة وأَنه أَهنأُ وأَنفع مما خالطه ما يزيل هذا الوصف، كالخل والسُّكر والمِسْك.
49 - {لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} :
أَي لنحيى بالمطر بلدة أَماتها الجدْب والمَحْلُ حتى أَصبحت أَرضها هامدة لا نبات فيها ولا زرع، وهو روحها يحييها الله به كما قال كعب: المطر روح الأَرض يحييها الله به. اهـ.
وإحياؤها بإنبات النبات فيها، كما بشير إلى هذا قوله تعالى: {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} .
ووصف البلدة - وهي مؤنثة، بـ (ميتًا) وهو مذكر - على إرادة البلد أَو المكان {وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا} : أَي نسقى ذلك الماء الطهور الذي يجرى في الأَنهار وفي العيون والآبار، نسقيه أَنعامًا وأَناسيَّ كثيرًا ممن خلقنا.
وقُدّم إِحياء الأَرض على سقى الأَنعام والأَناسى لأَن حياتها سبب لحياتهم، وتخصيص الأَنعام من بين الحيوان الشارب لأَن عامة منافع الأُناس ومعايشهم منوطة بها.
وقال: {كَثِيرًا} : ولم يقل كثيرين؛ لأَن ما كان على وزن (فعيل) قد يراد به الكثرة نحو قوله تعالى: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا} .
50 - {وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا} :
أَي ولقد بينا وكررنا هذا القول للناس في هذا القرآن، وفي سائر الكتب المنزلة، وهو إرسال الرياح وإنشاء السحاب، وإنزال المطر، وهو مفهوم من السياق، وذلك ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا كمال قدرته تعالى، وواسع رحمته، فيشكروه عَزَّ وَجَلّ، ويعلموا أَنَّ مَنْ أَنْعم بهذه المنن والآلاء لا يجوز الإِشراك به.