إذن: كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشراً ، وهذا الاستدراك يدلُّ على غبائهم ، فلو جاء الرسول ملَكاً ما صَحَّ أن يكون لهم قدوة ، وما جاء الرسول إلا ليكون قُدْوةً ومُعلِّماً للمنهج وأُسْوة سلوك ، ولو جاء ملَكاً لأمكنه نعم أنْ يُعلِّمنا منهج الله ، لكن لا يصح أنْ يكون لنا أُسْوة سلوك ، فلو أمرك بشيء وهو مَلَك لَكان لك أنْ تعترض عليه تقول: أنت مَلَكٌ تقدر على ذلك ، أمَّا أنا فبشر لا أقدر عليه .
فالحق سبحانه يقول: لاحظوا أن للرسل مهمتين: مهمةَ البلاغ ، ومهمة الأُسْوة السلوكية ، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتّى لهم البلاغ ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قُدْوة ونموذجاً يُحتذى .
ولو جاء الرسول ملَكَا على حقيقته ما رأيتموه ، ولا حتجتم له على صورة بشرية ، وساعتها لن تعرفوا أهو ملَكَ أم بشر ، إذن ، لا بُدَّ أن تعود المسألة إلى أن يكون بشراً ، لذلك يقول سبحانه: {وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ} [الأنعام: 9] .
ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه ، وهذا يعني أنهم يريدون دليلَ تصديق على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وسبق أنْ جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغُوا فيه وعجزوا أنْ يُجَاروه فيها ، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوي ، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله صدق عبدي في كل ما يُبلِّغ عني . وما دامت المعجزة قد جاءتْ بتصديق الرسول ، فهل هناك معجزة أَوْلَى من معجزة؟
لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلاً على صِدْق الرسول في البلاغ عن الله ، وأيضاً جاءكم بغيبيّات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان ، لا في القديم الذي حدث قبل أنْ يُولدَ ، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أنْ يُولد .
إذن: فدليل صدق الرسول قائم ، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى؟