ولما لم يقدر أحد من الهيود والنصارى والمجوس على أن يضيف إليه شيئاً مما ذكرت، وإنما قالت العرب عند تحيرها في الأمر، إنما يعلمه بشر، فليشتبه إلى الأخذ عن أعجمي لا يحسن العربية، وهو عندي لا يحسن الأعجمية، حتى رد الله جل ثناؤه عليها قولها من هذا الوجه فصح أنه لم يأت بالقرآن إلا من عند الله جل ثناؤه وبالله التوفيق.
والثالث هو ما أشار إليه جل ثناؤه بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} .
منها عما قد كان، ومنها عما قد يكون في الدنيا وفي الآخرة ولم يأت به النبي - صلى الله عليه وسلّم - جملة وإنما أتاهم به شيئاً بعد شيء ، وقد جرت العادة، بأن الكذاب لا يسلم من المناقضة في كلامه، ولا سيما إذا تشتت أخباره وتخللت بينها أزمان متباعدة، وأحوال متتابعة.
فلو كان القرآن وضعاً من تلقاء نفسه، لوجدوا في أخباره من التفاوت ما هو أظهر إمارات الكذب، وأبين ما يميز به الناس بين الصادق والكاذب، فيقول قائلهم: أما فلان فلا تجري أقواله إلا على نهج واحد، وأما فلان فإنه يقول مرة كذا ومرة كذا، أي أن الأول محق صادق، والآخر مبطل مخارق.
وما لم يوجد ما ذكرنا أنه إمارة الكذب والكذاب في القرآن، صح أنه إنما جاء به من عند الله عز وجل، وهذا كما قال: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِمْ مِّن جِنَّةٍ} .
أي ألم يقابلوا أحواله وأوصافه بأحوال المتحابين وأوصافهم حتى إذا لم يجدوا شيئاً منها له وفيه علموا أنه ليس بمجنون.
فإن قيل: إن أخبار القرآن لا تبلغ في الكثرة أن لا يطلق الاحتراز فيها من المناقضة
ولا سيما إذا كان الذي يأتي بما يريد، يتوصل به إلى إثبات الرسالة لنفسه من الله - تعالى جده - !
فالجواب: أنه ما من مخبر كاذب إلا وله في خبره غرض يريد أن يبلغه بخبره، ويكره أن يظهر المخبر كذبه فيه، ثم ليبين في ذلك ما يحتمل وجود التفاوت في كلامه إذا ردده في عدة مجالس في يوم أو أيام متدانية أو متباعدة، وما ذاك إلا أن التحرز من المناقضة في بواعث العقل والتمييز وجب الذكر الجميل، والإشفاء من الاسم الذميم.