وفي رواية أخرى أن الله - عز وجل - لما أنزل على نبيه - صلى الله عليه وسلّم -: {حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ} ، قام النبي - صلى الله عليه وسلّم - في المسجد فقرأها والوليد قريب منه يستمع إلى قوله، فلما نظر النبي - صلى الله عليه وسلّم - إلى الوليد يستمع إلى قراءته، أعاد هذه الآية، فقال: حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم، في ملكه العليم بخلقه، غافر الذنب لمن تاب من الشرك، شديد العقاب لمن لا يتوب من الشرك، ذي الطول ذي الغناء عمن لا يوجد ثم وجد نفسه حين لم يوجده كفار مكة، فقال لا إله إلا هو.
فلما سمعها الوليد انطلق حتى أتى مجلس قومه بني مخزوم فقال: (والله لقد سمعت لمحمد كلاماً آنفاً ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، إن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإنه ليعلوا وما يعلا ثم انصرف إلى منزله.
فقالت قريش: قد صبأ الوليد، فوالله لتصبون قريش كلها، وكان يقال له ريحانة قريش.
فقال أبو جهل: أنا أكفيكموه، فقعد إليه كهيئة الحزين، فقال له الوليد: مالي أراك حزيناً؟ فقال: وما يمنعني أن أحزن، وهذه قريش، قد جمعوا لك نفقة ليعينوك على أمرك، وزعموا أنك إنما رتبت قول محمد لتصيب من فضل طعامهم!
فغضب الوليد وقال: أوَليس قد علمت قريش أني من أكثرهم مالاً وولداً، وهل شبع محمد وأصحابه من الطعام، فقام الوليد، وانطلق مع أبي جهل حتى مجلس بني مخزوم فقال: يزعمون أن محمداً كذاب فهل رأيتموه كذب فيكم قط، وكان يسمى قبل النبوة (الأمين) ؟ فقالوا: اللهم لا! فقال: تزعمون أن محمداً مجنون! فهل رأيتموه جن فيكم قط؟ فقالوا: اللهم لا! قال: فتزعمون أنه كاهن! فهل سمعتموه يخبر بما يخبر به الكهنة؟ فقالوا: اللهم لا! فبرأه الله من هذه الثلاثة كلها.
قم قالت له قريش فما هو يا أبا المغيرة؟ فيكفر ما يقول له، ثم نظر فيما يقول ثم عبس وبسر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر.
وفي حديث آخر أن عيينه بن ربيعة قال لقريش: خلوا هذا الرجل واجعلوها لي والله لقد سمعت الشعر قريضه وزجره وقول الكهان، فما سمعت مثل قوله، وذلك عندما سمعه يقول: (حم) .