وذلك كلمتان، والذي ثلاث كلمات ومقطعها مختلف، ثم قيل بعد هذا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} وهي ثلاث كلمات ومقطعها الميم، وقيل بعدها: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ} آمين.
وفي هذه إضعاف التي ومقطعها النون، فلم يستنكر ذلك أحد سمعه من أهل البلاغة والنظم، ولو كان ذلك في شعر أو سجع لا يستهجن ولم يعترف لصاحبه بأن آياته المتفاوتة قصيدة واحدة، فعلم بهذا أن مبنى أيات القرآن على غير مبنى الإسجاع والقوافي.
ومن تأمل كلام مسيلمة على مشاكلته للإسجاع ومباينته آيات القرآن، وكذلك بقصد الهزل، والركيك من اللفظ والغث من المعنى، فيقول: «يا ضفدع نقي كم تنقين، لا الشراب تمنعين، ولا الماء تكدرين» فإن هذا من قوله يدل على أن اللفظ كان أغلب عليه من قصد المعنى، وإلا فليس في هذا الكلام ما يستحسنه عاقل.
وهكذا قال الصديق رضي الله عنه لمَّا سمعه: (إن هذا لم يخرج من إله) أي لم يخرج من عند الرب، فإن الرب حكيم، والحكيم لا يتكلم بما لا يستجاد معناه، ولا يستفاد لفظه وكذلك قوله: (وقد أنعم الله على الحبلى إذا خرج منها نسمة تسعى من بين صفاق وحشا) قد عرض له في هذه الهجنة والركاكة ما لا تفرضه له إلا تجريده قصداً للفظ وأعراضه عن المعنى.
وكذلك قوله في صفة الفيل الذي تقدم ذكره، والكشف عما فيه، إنما عرض له التقصير فيه إرادته اللفظ وقلة حفله بالمعنى وآيات القرآن كلها تخل من هذه الصفة، فظهرت بذلك فرق ما بينها وبين غيرها وبالله التوفيق.
فإن قيل: أرأيتم لو تحدى العرب عليه من الإتيان بمثل هذا القرآن، أهو مثله في النظم دون غيره أو في النظم أو المعاني، فإن كان في النظم والمعاني، فأنتم تعلمون أنه لا إعجاز في المعاني، وإن كان في النظم وجب أن يكون كل من تكلم بكلام منظوم مثل نظمه آنياً بمثله، وإن كان ذلك الكلام هدراً لا معنى تحته ولا فائدة فيه، وفي هذا ما يمنعكم من الطعن في كلام مسيلمة لما فيه من إختلال المعاني، وفساد الأعراض.