الأمر الثالث: وهو يفصل التفرقة بين الحكم الظالم والحكم العادل ، أن الحكم العادل لا يكون بالهوى والشهوة ، وأما الحكم الظالم فإنه يكون تحت سلطان الهوى والشهوة. وأن الملوك والحكام المستبدين يكون مصدر شرهم أهواؤهم ، فهم يتبعون أهواءهم فيما يحكمون به ، وما ينزلونه بالناس ، فهم يسنون النظم تبعًا لأهوائهم ويطبقونها تبعًا لأهوائهم ، ويجعلون شيعتهم تسارع إلى تنفيذ أهوائهم ، ولا يفهمون المصلحة إلا تابعة لأهوائهم ، فإذا نهى الله تعالى نبيه داود عن اتباع الهوى وهو خليفة
حاكم ، فإنما نهاه عمَّا يؤدي إلى فساد الحكم ، وبهذا يتبين أن حكم الهوى كان مصدر فساد الحكم فِي الماضي ، كما هو مصدر الفساد فِي كل الأزمان ، وذكر ذلك فِي قصة من قصص القرآن يزيد المبدأ تبينًا وتأكيدًا ، وقد بيَّنَّا أن ذكر أيّ أمر فِي قصة يجعله يسري فِي النفوس ، ويدخل إلى الضمائر إن كان فيها استعداد للحق.
ولا شكَّ أن هذا كله يدل على أن القرآن يصرف فيه سبحانه البيان تصريفًا ليكون أقرب إلى التأثير والدفع إلى العمل ، وليس ذكر القصص للعبرة فقط ، بل هو مرشد وهادٍ مع ذلك إلى أقوم السبيل ، والله أعلم.
بيان بعض الأحكام بالقصص القرآني:
87 -من صور التصريف البياني بالقصص القرآني بيان بعض الأحكام الشرعية ، فإنَّ ذلك يثبت هذه الأحكام ويدعمها ؛ لأنها تكون أحكامًا متفقًا عليها فِي كل الشرائع السماوية ، وبيان أنها غير قابلة للنسخ ، وأنها مؤكدة ثابتة ، وفي القصة تكون حكمة شرعيتها قائمة والغاية منها ثابتة ، ولنذكر من قصة قابيل وهابيل ولدي آدم.