فإن قلت: فهلا قيل تعبدون؛ لأجل (اعبدوا) ، أو: اتقوا؛ لمكان (تتقون) ليتجاوب طرفا النظم.
قلت: ليست التقوى غير العبادة حتى يؤدّى ذلك إلى تنافر النظم،
وضم إليهما معنى الإطماع، وبنى عليه مسألة المجاز فيها، وهي بمعنى كي. وأما قوله:"ليست مما ذكرناه في شيء ٍ"فمعناه: أن المذكور في معنى"لعل"لا يجوز حمل الآية على شيء ٍ من ذلك، أما بمعنى"كي"لتكون من حمل النقيض على النقيض بواسطة التلميح من الكريم الذي إذا أطمع فعل، ومن العظيم الذي إذا رضي قطع، فالمقام يأباه؛ لأن المقصود من الإيراد الاختبار والابتلاء؛ لقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] ، فلا يحصل ذلك إلا على طريق الاستعارة التبعية كما سبق، فطريق المجازين مختلف، وإن كان مآلهما إلى معنى"كي"، والله أعلم.
الانتصاف: كلام الزمخشري حسن إلا قوله:"وأراد منهم التقوى"فإنه على مذهبه، والله تعالى مريد عند أهل السنة من كل أحدٍ ما وقع منه. وقال أيضًا، كلامه:"وأقدرهم وألقى بأيديهم زمام الاختيار"خطأ.
قوله: (فهلا قيل: تعبدون) يعني من الصنعة البديعية رد العجز على الصدر، وهو أن يجعل أحد اللفظين المكررين في أول الفقرة والآخر في آخرها، كقوله: (وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ) [الأحزاب: 37] وأول الآية الأمر بالعبادة وآخرها في ذكر التقوى، فلو جعل مقدمتها مطابقةً لسياقها بأن يقال: يا أيها الناس اتقوا، أو بالعكس بأن يقال: لعلكم تعبدون، لحصل المطلوب.