وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , لِأَنَّ مَنْ رَدَّهُ اللَّهُ إِلَى الْآخِرَةِ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ فَنَائِهِ فَقَدْ رَجَعَ إِلَيْهَا، وَأَنَّ مَنْ رَجَعَ إِلَيْهَا فَبِرَدِّ اللَّهِ إِيَّاهُ إِلَيْهَا رَجَعَ. وَهُمَا مَعَ ذَلِكَ قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ , قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ عَمَّا يَصِفُهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّ لَهُ شَرِيكًا، وَعَمَّا يُضِيفُونَ إِلَيْهِ مِنَ اتِّخَاذِ الْبَنَاتِ.
{لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}
يَقُولُ: لَا مَعْبُودَ تَنْبَغِي لَهُ الْعُبُودَةُ إِلَّا اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ {رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}
وَالرَّبُّ: مَرْفُوعٌ بِالرَّدِّ عَلَى الْحَقِّ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ، رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (117) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يَدْعُ مَعَ الْمَعْبُودِ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ مَعْبُودًا آخَرَ، لَا حُجَّةَ لَهُ بِمَا يَقُولُ وَيَعْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا بَيِّنَةَ.
وَقَوْلِهِ: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ}
يَقُولُ: فَإِنَّمَا حِسَابُ عَمَلِهِ السَّيِّئ عِنْدَ رَبِّهِ، وَهُوَ مُوَفِّيهِ جَزَاءَهُ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ.
{إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ}
يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يَنْجَحُ أَهْلُ الْكُفْرِ بِاللَّهِ عِنْدَهُ , وَلَا يُدْرِكُونَ الْخُلُودَ وَالْبَقَاءَ فِي النَّعِيمِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (118) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَقُلْ يَا مُحَمَّدُ: رَبِّ اسْتُرْ عَلَيَّ ذُنُوبِي بِعَفْوِكَ عَنْهَا , وَارْحَمْنِي بِقَبُولِ تَوْبَتِكَ , وَتَرْكِكَ عِقَابِي عَلَى مَا اجْتَرَمْتُ.
{وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ}
يَقُولُ: وَقُلْ: أَنْتَ يَا رَبِّ خَيْرُ مَنْ رَحِمِ ذَا ذَنْبٍ فَقَبِلَ تَوْبَتَهُ وَلَمْ يُعَاقِبْهُ عَلَى ذَنْبِهِ. انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 17/}