وإذا كان هذا شأن الإنسان فإن مما يجانب الحكمة ، ويدخل فِي باب اللهو والعبث ، أن تنطفئ جذوة هذا الكائن ، بعد سنوات قليلة يقضيها على هذه الأرض .. ثم يصير رمادا ، يختلط بتراب هذه الأرض ، مع الدواب ، والحشرات والهوام! إن فِي هذا لجورا على الإنسان ، وظلما له ، إذ كان الحيوان - على هذا الحساب - خيرا منه ، لأنه تنفّس أنفاس الحياة ، وليس معه هذا العقل الذي لم يدع للإنسان لحظة يخلد فيها إلى الراحة والاطمئنان .. بل إنه أبدا فِي صراع داخلى لا يهدأ أبدا ، بين رجاء ويأس ، وسعادة وشقاء ، وطمأنينة وخوف .. فِي يقظته ونومه .. على السّواء ..
إن الإنصاف للإنسان يقضى بألا تنتهى حياته بالموت ، بل لا بد أن تكون له رجعة أخرى ، إلى حياة أكمل ، وأفضل ..
إن الحياة - كما قلنا فِي مواضع كثيرة - نعمة أنعم اللّه بها على الإنسان ، وامتنّ عليه بها .. كما يقول سبحانه: « قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ » .. ومن تمام هذه النعمة ، دوامها ، وإلا فما كان لوجودها أصلا حكمة ، ولكان خيرا منها العدم! وقد يسأل سائل: كيف تكون الحياة الآخرة بالنسبة للكافرين والمشركين وغيرهم من أصحاب النار ، خيرا من العدم ، واللّه سبحانه وتعالى يقول: َوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ ما قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً »
(40: النبأ) أ يتفق هذا وذاك الذي نقول به ..؟
ونقول: إن الحياة بعد الموت نعمة لأهل الجنة وأهل النار جميعا ، وهي خير من العدم! أيّا كانت صورة تلك الحياة ، وأيّا كان مصير الأحياء فيها .. نقول هذا ، وبين أيدينا كثير من الشواهد ، من كتاب اللّه ..