ثم نزّه سبحانه نفسه فقال: {فتعالى الله} أي: تنزّه عن الأولاد والشركاء أو عن أن يخلق شيئاً عبثاً ، أو عن جميع ذلك ، وهو {الملك} الذي يحق له الملك على الإطلاق {الحق} في جميع أفعاله وأقواله {لاَ إله إِلاَّ هُوَ رَبُّ العرش الكريم} فكيف لا يكون إلها ورباً ، لما هو دون العرش الكريم من المخلوقات؟ ووصف العرش بالكريم لنزول الرحمة والخير منه ، أو باعتبار من استوى عليه ، كما يقال: بيت كريم: إذا كان ساكنوه كراماً.
قرأ أبو جعفر وابن محيصن وإسماعيل وأبان بن ثعلب:"الكريم"بالرفع على أنه نعت لربّ ، وقرأ الباقون بالجرّ على أنه نعت للعرش.
ثم زيف ما عليه أهل الشرك توبيخاً لهم وتقريعاً فقال: {وَمَن يَدْعُ مَعَ الله إِلَهَا ءاخَرَ} يعبده مع الله أو يعبده وحده ، وجملة {لاَ بُرْهَانَ لَهُ بِهِ} في محل نصب صفة لقوله: إلها ، وهي صفة لازمة جيء بها للتأكيد ، كقوله: {يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] .
والبرهان: الحجة الواضحة والدليل الواضح ، وجواب الشرط قوله: {فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبّهِ} .
وجملة: {لا برهان له به} معترضة بين الشرط والجزاء ، كقولك: من أحسن إلى زيد لا أحقّ منه بالإحسان ، فالله مثيبه.
وقيل: إن جواب الشرط قوله: لا برهان له به على حذف فاء الجزاء كقول الشاعر:
من يفعل الحسنات الله يشكرها... {إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الكافرون} قرأ الحسن وقتادة بفتح"أن"على التعليل ، وقرأ الباقون بالكسر على الاستئناف ، وقرأ الحسن:"لا يفلح"بفتح الياء واللام مضارع فلح بمعنى أفلح.
ثم ختم هذه السورة بتعليم رسوله صلى الله عليه وسلم أن يدعوه بالمغفرة والرحمة فقال: {وَقُل رَّبّ اغفر وارحم وَأنتَ خَيْرُ الراحمين} أمره سبحانه بالاستغفار لتقتدي به أمته.
وقيل: أمره بالاستغفار لأمته.