وعن قتادة: لا شيء أبغض إلى الإنسان يوم القيامة، عن أن يرى عن يعرفه، أن يثبت له عليه شيء، ثم تلا: {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) } الآية.
قال محمَّد بن علي الترمذي - رحمه الله تعالى -: الإنساب كلها منقطعة، إلا من كانت نسبته صحيحة في عبودية ربه، فإن تلك نسبة لا تنقطع أبدًا، وتلك النسبة المفتخر بها, لا نسبة الأجناس من الآباء والأمهات والأولاد.
فائدة: قال الأصمعي: كنت أطوف بالكعبة في ليلة مقمرة، فسمعت صوتًا حزينًا فتبعت الصوت، فإذا أنا بشابٍ حسن ظريف، تعلق بأستار الكعبة وهو يقول: نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الملك الحي القيوم، وقد غلقت الملوك أبوابها، وأقامت عليها حرسها وحجابا، وبابك مفتوح للسائلين، فها أنا سائلك ببابك، مذنبًا فقيرًا مسكينًا أسيرًا جئت أنتظر رحمتك، يا أرحم الراحمين،
ثم أنشا يقول:
يَا مَنْ يُجِيْبُ دُعَا الْمُضْطَرِّ فِيْ الظُّلَمِ ... يَا كَاشِفَ الضُّرِّ وَالْبَلْوَى مَعَ السَّقَمِ
قَدْ نَامَ وَفْدُكَ حَوْلَ الْبَيْتِ وَانْتَبَهُوْا ... وَأنْتَ يَا حَيُّ يَا قَيُّوْمُ لَمْ تَنَمِ
أَدْعُوْكَ رَبِّيْ وَمَوْلاَيَ وَمُسْتَنَدِيْ ... فَارْحَمْ بُكَائِيْ بِحَقِّ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ
أَنْتَ الْغَفُوْرُ فَجُدْ لِيْ مِنْكَ مَغْفِرَةً ... وَاعْفُ عَنِّيَ يَا ذَا الْجُوْدِ وَالنِّعَمِ
إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لاَ يَرْجُوْهُ ذُوْ جُرُمٍ ... فَمَنْ يَجُوْدُ عَلَى الْعَاصِيْنَ بِالْكَرَمِ
ثم رفع رأسه نحو السماء وهو ينادي: يا إلهي وسيدي ومولاي، إن أطعتك فلك المنة علي، وإن عصيتك فبجهلي، فلك الحجة علي، اللهم فبإظهار مننك علي، وإثبات حجتك لدي ارحمني، واغفر ذنوبي، ولا تحرمني رؤية جدي وقرة عيني، وحبيبك وصفيك ونبيك محمَّد - صلى الله عليه وسلم - ، ثم أنشأ يقول:
أَلاَ أَيُّهَا الْمَامُوْلُ فِيْ كُلِّ شِدَّةٍ ... إِلَيْكَ شَكَوْتُ الضُّرَّ فَارْحَمْ شِكَايَتِيْ
ألاَ يَا رَجَائِيْ أنْتَ كَاشِفُ كُرْبَتِيْ ... فَهَبْ لِيْ ذُنُوْبِيْ كُلَّهَا وَاقْضِ حَاجَتِيْ
فَزَادِيْ قَلِيْلٌ مَا أَرَاهُ مُبَلِّغِيْ ... عَلَى الزَّادِ أَبْكِيْ أَمْ لِبُعْدِ مَسَافَتِيْ