{قَالَ} ذلك الأحد تحسرًا، على ما فرط من الإيمان والعمل {رَبِّ} ؛ أي: يا رب {ارْجِعُونِ} ؛ أي: ردني إلى دار الدنيا {لَعَلِّي أَعْمَلُ} ؛ أي: لكي أعمل عملًا {صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ} ؛ أي: في الإيمان الذي تركته، وقصرت فيه، وفي العبادات البدنية والمالية والحقوق؛ أي: لعلي أعمل في الإيمان الذي آتي به ألبتة، عملًا صالحًا، فلم ينظم الإيمان في سلك الرَّجاء، كسائر الأعمال الصالحة، بأن يقول: لعلي أومن فأعمل إلخ. للإشعار بأنه أمر مقرر الوقوع، غنى عن الإخبار بوقوعه، فضلًا عن كونه مرجو الوقوع.
وقوله: {ارْجِعُونِ} خطاب لله. وجمع الضمير تعظيمًا لله؛ لأن العرب تخاطب الواحد الجليل الشأن بلفظ الجماعة. وفيه رد على من يقول الجمع للتعظيم في غير المتكلم، إنما ورد في كلام المولدين.
وقيل: الخطاب للملائكة، الذين يقبضون الأرواح، من ملك الموت وأعوانه.
ورب للقسم، كما في"الكبير". واستعان باللهِ أولًا، ثم بهم كما في"الأسئلة المقحمة".
100 -وقوله: {لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا} قبله حذف، تقديره: ثم إنه سبحانه يقول له: إلى أي شيء نردك، أتذهب إلى جمع المال، أو غرس الغراس، أو بناء البنيان، أو شق الأنهار؛ فيقول ذلك الكافر: لعلي أعمل صالحًا فيما تركت؛ أي: لكي أصير عند الرجعة مؤديًا لحق الله تعالى فيما قصرت فيه.
فيقول الجبار جل جلاله: {كَلَّا} ردع وزجر له، عن طلب الرجعة، واستبعاد لها؛ أي: ليرتدع عما يقول، وينزجر، فإنه لا يرد إلى الدنيا أبدًا {إِنَّهَا} ؛ أي: قولة: رب ارجعون {كَلِمَةٌ} الكلمة الطائفة من الكلام المنتظم بعضه مع بعض. {هُوَ} ؛ أي: ذلك الأحد {قَائِلُهَا} عند الموت لا محالة لتسلط الحزن عليه، ولكنه لا يجاب لها, ولا تفيده، وليس الأمر على ما يظنه، من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، أو المعنى: أنه لو أجيب إلى ذلك، لما حصل منه الوفاء، كما في قوله: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ} . قال القرطبي: سؤال الرجعة غير مختص بالكافر؛ أي: بل يعم المؤمن المقصر.