ولما كان أول مخاطب بهذا قريشاً ، ثم مضر ، وكانوا كلهم أولاد إبراهيم عليه الصلاة والسلام حقيقة ، قال: {أبيكم إبراهيم} أي الذي ترك عبادة الأصنام ونهى عنها ، ووحد الله وأمر بتوحيده ، يا من تقيدوا بتقليد الآباء! فالزموا دينه لكونه اباً ، ولكوني أمرت به ، وهو أب لبعض المخاطبين من الأمة حقيقة ، ولبعضهم مجازاً بالاحترام والتعظيم ، فيعم الخطاب الجميع ، ولذلك حثهم على ملته بالتعليل بقوله: {هو} أي إبراهيم عليه السلام {سمّاكم المسلمين} في الأزمان المتقدمة {من قبل} أي قبل إنزال هذا القرآن ، فنوّه بذكركم والثناء عليكم في سالف الدهر وقديم الزمان فكتب ثناءه في كتب الأنبياء يتلى على الأحبار والرهبان ، وسماكم أيضاً مسلمين {وفي هذا} الكتاب الذي أنزل عليكم من بعد إنزال تلك الكتب كما أخبرتكم عن دعوته في قوله {ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: 128] لأنه بانتفاء الحرج يطابق الاسم المسمى ، ويجوز - ولعله أحسن - أن يكون {هو سمّاكم} تعليلاً للأمر بحق الجهاد بعد تعليله بقوله {هو اجتباكم} فيكون الضمير لله تعالى ، ويشهد له بالحسن قراءة أبي - رضي الله عنهم - بالجلالة عوضاً عن الضمير ، أي أن كل أمة تسمت باسم من تلقاء نفسها ، والله تعالى خصكم باسم الإسلام مشتقاً له من اسمه {السلام} [الحشر: 3] مع ما خصكم به من اسم الإيمان اشتقاقاً له من اسمه المؤمن ، فأثبت لكم هذا الاسم في كتبه ، واجتباكم لاتباع رسوله.