قال الراغب: الإذن في الشيء: الإعلام بإجازته، والرخصة فيه، انتهى. وذلك يوم القيامة. وفيه رد لاستمساكها بذاتها، فإنها مساوية لسائر الأجسام في الجسمية، فتكون قابلة للميل الهابط، كقبول غيرها، والمعنى؛ أي: وإن الله يمسك أجرام الكواكب من شمس، وقمر، وكواكب نيرات بنظام الجاذبية، إذ جعل لكل منها مداراً خاصًا بها، لا تعدوه بحالٍ، ولا تزال كذلك ما بقيت الحياة الدنيا، حتى إذا اقتربت الساعة اختل نظامها. وانتثرت في الفضاء، كما ألمع إلى ذلك سبحانه بقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) } الآية. ولولا هذا النظام الخاص لاصطدمت الكواكب العظيمة بعضها ببعض. وفسد العالم الأرضي ولم يعش على ظهر البسيطة إنسان، ولا حيوان.
{إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} ؛ أي: كثير الرأفة والرحمة، حيث سخر هذه الأمور لعباده، وهيأ لهم أسباب المعاش، وأمسك السماء أن تقع على الأرض فتهلكهم، تفضلاً منه على عباده، وإنعاماً عليهم، وفتح لهم أبواب المنافع ودفع عنهم أنواع المضار، وأوضح لهم مناهج الاستقلال بالآيات التكوينية، والتنزيلية. والرؤوف بمعنى الرحيم، إذ الرأفة أشد الرحمة، أو أرقها. كما في"القاموس". قال في"بحر العلوم". {الرؤوف} ؛ أي: المريد للتخفيف على عباده. {رَحِيمٌ} ؛ أي: مريد للإنعام عليهم.
66 -ثم ذكر سبحانه نعمة أخرى فقال: {وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ} بعد أن كنتم نطفًا جمادًا {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ} عند انقضاء أعماركم {ثُمَّ يُحْيِيكُمْ} عند البعث للثواب والعقاب.
والمعنى: أي وهو سبحانه، هو الذي أنعم عليكم بهذه النعم، وجعلكم أجسامًا حيةً بعد أن كنتم ترابًا، ثم يميتكم حين انقضاء آجالكم، ثم يحييكم بالبعث والنشور إلى عالم آخر، تلقون فيه حسابكم وجزاءكم من نعيم أو جحيم.