قال ابن عطية: ولا يكون هذا الإخضرار في صباح ليلة المطر إلا بمكة وتهامة، والظاهر أن المراد بالإخضرار اخضرار الأرض في نفسها لا باعتبار النبات فيها، كما في قول تعالى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} .
وقال أبو عبد الله الرازي في"تفسيره الكبير"قوله: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً} إلى قوله: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} ذكر هنا من آثار قدرته ستة أشياء:
أولها: إنزال المطر الناشئ عنه اخضرار الأرض، وفسر الرؤيا بالعلم دون الإبصار؛ لأن الماء وإن كان مرئيًا إلا أن كون الله منزلًا له من السماء غير مرئي. وقال: {فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ} دون أصبحت لإفادته بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان.
الثاني: قوله: {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} ومن جملته خلق المطر، والنبات نفعًا للحيوان، مع أن الله لا يحتاج لذلك، ولا ينتفع به.
الثالث: تسخير ما في الأرض؛ أي: ذلل لكم ما فيها كالحجر والحديد، والنار لما يراد منها، والحيوان للأكل والركوب، والحمل عليه، والنظر إليه.
الرابع: تسخير الفلك بالماء والرياح، فلولا أن الله سخرها لكانت تغوص أو تقف.
الخامس: إمساك السماء؛ لأن النعم المتقدمة لا تكمل إلا به، والسماء جرم ثقيل، وما كان كذلك، لا بد له من السقوط، لولا مانع يمنع منه، وهو القدرة. فأمسكها الله بقدرته لئلا تقع فتبطل النعم التي أمتن بها علينا.
سادسها: الإحياء ثم الإماتة ثم الإحياء، نبه بهذا على أن هذه النعم لمن أحياه الله، فنبه بالإحياء الأول على إنعامه في الدنيا بكل ما تقدم، ونبه بالإماتة والإحياء ثانيًا على إنعامه علينا في الآخرة. ولما فصل تعالى هذه النعم، قال: {إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ} ؛ أي: لهذه النعم. اهـ. من"الرازي".