كأن العبادة - وهي: طاعة أمر واجتناب نهي - يجب أن تكون صادرة من أعلى منا جميعاً ، فليس لأحد منا أن يُشرِّع للآخر ، فيأمره أو ينهاه ؛ لأن الأمر من المساوى لك لا مُرجح له ، وله أنْ يقول لك: لماذا أنت تأمر وأنا أطيع؟ أما إنْ جاء الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض ، ومعك الحجة أن الأمر من أعلى منك فأنت تطيع بلا اعتراض ، ومعك الحجة أن الأمر من أعلى ، تقول: أبي أمرني بكذا وكذا ، أو ربي أمرني بكذا وكذا ، أو نهاني عن كذا وكذا .
إذن: كل دليل على حكم الفعل أو الترك لا بُدَّ أنْ يكون مصدره من الحق سبحانه وتعالى ، فهو الأعلى مني ومنك ، وإذا انصعْتَ لأمره ونهيه فلا حرجَ عليَّ ولا ضرر ؛ لأنني ما انصعت لمساوٍ إنما انصعت لله الذي أنا وأنت عبيد له ، ولا غضاضةَ في أن نتبع حكمه .
لذلك في حِكَم أهل الريف يقولون: (اللي الشرع يقطع صباعه مَيْخُرش دم) لماذا؟ لأنك ما قطعته أنت إنما قطعه الله ، فليس الأمر تسلط أو جبروت من أحد ، وليس فيه مذلّة ولا استكانة لأحد .
ومعنى: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله . .} [الحج: 71] يعني: يعبدون غيره تعالى {مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً . .} [الحج: 71] السلطان: إما سلطان قَهْر ، أو سلطان حجة ، سلطان القهر أن يقهرك ويجبرك على ما لم تُرِدْ فِعْله ، أما سلطان الحجة فيقنعك ويُثبِت لك بالحجة أن تفعل باختيارك ، وهذه الآلهة التي يعبدونها من دون الله ليس لها سلطان ، لا قَهْر ولا حُجّة .
لذلك ؛ في جدل إبليس يوم القيامة للذين اتبعوه يقول لهم: {وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي . .} [إبراهيم: 22] يعني: كنتم على إشارة فاستجبتم لي ، وليس لي عليكم سلطان ، لا قوة أقهركم بها على المعصية ، ولا حجة أقنعكم بها .