ثم يقول تعالى: {وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ . .} [الحج: 71] يعني: علم الاجتهاد الذي يستنبط الأحكام من الحكم المُجْمل الذي يُنزله الحق تبارك وتعالى ، وهذه هي حجة العلم التي قال الله تعالى عنها: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ . .} [النساء: 83] يعني: أهل العلم .
إذن: العبادة لا بُدَّ أن تكون بسلطان من الله نصاً قاطعاً وصريحاً لا يحتمل الجدل ، وإما أنْ تكونَ باجتهاد أُولِي العلم .
وقوله تعالى: {وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ} [الحج: 71] لم يقُلْ سبحانه: لن ينتصر الظالمون ، ولم ينْفِ عنهم النصر ؛ لأن هذه مسألة مُسلمة إنما لا يفزع لنصرتهم أحد ، فلن ينتصروا ولن ينصرهم أحد ، ولا يفزع أحد لينصر أحداً إلا إذا كان المنصور ضعيفاً .
ثم يقول سبحانه: {وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر . .}
تصور هذه الآية حال الكفار عند سماعهم لكتاب الله وآياته من رسول الله أو صحابته ، فإذا سمعوها {تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الذين كَفَرُواْ المنكر . .} [الحج: 72] أي: الكراهية تراها وتقرؤها في وجوههم عُبُوساً وتقطيباً وغضباً وانفعالاً ، ينكر ما يسمعون ، ويكاد أن يتحول الانفعال إلى نزوع غضبي يفتك بمَنْ يقرأ القرآن لما بداخلهم من شر وكراهية لما يتلى عليهم .
لذلك قال تعالى بعدها: {يَكَادُونَ يَسْطُونَ بالذين يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتنا . .} [الحج: 72] والسَّطْو: الفَتْك والبطش ؛ لأن العمل الوجداني الذي يشغل نفوسهم يظهر أولاً على وجوههم انفعالاً يُنبيء بشيء يريدون إيقاعه بالمؤمنين ، ثم يتحول الوجدان إلى نزوع حركي هو الفتك والبطش .