إذن: ماذا يُلجئك لمثل هذه المتاهة ، ولك في التسامح سِعَة ، وفي قول الله بعدها: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126] مَخْرج من هذا الضيق؟
وسبق أنْ حكينا قصة المرابي اليهودي الذي قال لطالب الدَّيْن: إن تأخرت في السداد أشترط عليك أنْ آخذ رطلاً من لحمك . وجاء وقت السداد ولم يُوف المدين ، فرفعه الدائن إلى القاضي وأخبره بما اشترطه عليه ، فقال القاضي: نعم من حقك أن تأخذ رطلاً من لحمه لكن بضربة واحدة بالسكين تأخذ رطلاً ، إنْ زاد أو نقص أخذناه منك .
إذن: مسألة المثلية هنا عقبةٌ تحدُّ من ثورة الغضب ، وتفتح باباً للارتقاءات الإيمانية ، فإنْ كان الحق سبحانه سمح لك أن تُنفِّس عن نفسك فقال: {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا . .} [الشورى: 40] فإنه يقول لك: لا تنسَ العفو والتسامح {والكاظمين الغيظ والعافين عَنِ الناس والله يُحِبُّ المحسنين} [آل عمران: 134] .
لذلك ، فالآية التي معنا تلفتنا لَفْتةً إيمانية: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ . .} [الحج: 60] واحدة بواحدة {ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ . .} [الحج: 60] يعني: زاده بعد أنْ ردَّ العدوان بمثله وظلمه واعتدى عليه {لَيَنصُرَنَّهُ الله . .} [الحج: 60] ينصره على المعتدي الذي لم يرتَض حكم الله في رَدِّ العقوبة بمثلها .
وتلحظ في قوله تعالى مخايل النصر بقوله {إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ} [الحج: 60] مع أن الصفة التي تناسب النُّصْرة تحتاج قوة وتحتاج عزة ، لكنه سبحانه اختار صفة العفو والمغفرة ليلفت نظر مَنْ أراد أنْ يعاقب إلى هذه الارتقاءات الإيمانية: اغفر وارحم واعْفُ ؛ لأن ربك عفو غفور ، فاختار الصفة التي تُحنِّن قلب المؤمن على أخيه المؤمن .