وقال في غريزة حب الاستطلاع: {وَلاَ تَجَسَّسُواْ . .} [الحجرات: 12] وهكذا في كل غرائزك تجد لها حدوداً يجب عليك ألاَّ تتعداها .
لذلك قلنا في صفات الإيمان وفي صفات الكفر أن الله تعالى يصف المؤمنين بأنهم {أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ . .} [الفتح: 29] لأنهم يضعون كل غريزة في موضعها فالشدة مع الأعداء ، والرحمة مع إخوانهم المؤمنين ، ويقف عند هذه الحدود لا يقلب مقاييسها ، ويلتزم بقول الحق سبحانه وتعالى {أَذِلَّةٍ عَلَى المؤمنين أَعِزَّةٍ عَلَى الكافرين . .} [المائدة: 54] .
وكأن الخالق عز وجل يُسوِّينا تسوية إيمانية ، فالمؤمن لم يُخلَق عزيزاً ولا ذليلاً ، إنما الموقف هو الذي يضعه في مكانه المناسب ، فهو عزيز شامخ مع الكفار ، وذليل مُنكسِر متواضع مع المؤمنين .
ويتفرع عن هذه المسألة مسألة ردِّ العقوبة إذا اعتُدِي عليك: {وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله . .} [الحج: 60] .
الحق - سبحانه وتعالى - هو خالق النفس البشرية ، وهو أعلم بنوازعها وخَلَجاتها ؛ لذلك أباح لك إن اعتدى عليك أنْ تردَّ الاعتداء بمثله ، حتى لا يختمر الغضب في نفسك ، وقد ينتج عنه ما هو أشد وأبلغ في ردِّ العقوبة ، يبيح لك الرد بالمثل لتنتهي المسألة عند هذا الحد ولا تتفاقم ، فمَنْ ضربك ضربة فلك أنْ تُنفِّس عن نفسك وتضربه مثلها ، لك ذلك ، لكن تذكرَّ المثلية هنا ، لا بد أن تكون تامة ، كما قال سبحانه في موضع آخر: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ . .} [النحل: 126] .
وهل تستطيع أن تضبط هذه المثلية فتردّ الضربة بمثلها؟ وهل قوتك كقوته ، وحِدَّة انفعالك كحِدَّة انفعاله؟ ولو حدث وزدْتَ في ردِّك نتيجة غضب ، ماذا تفعل؟ أتسمح له أنْ يردَّ عليك هذه الزيادة؟ أم تكون أنت ظالماً معتدياً؟