فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 297940 من 466147

وبقوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ} [الأنبياء: 35] يشير إلى أن من الحكمة البالغة والنعمة السابغة أنه جمع في طينة الإنسان ما أفرد به الملائكة بروح نوراني علوي باق أبدي، وأفرد الحيوانات بروح حيواني سفلي فانٍ، فأفرد الإنسان بتركيب الروحين فيه فانٍ حيوانيٍ وباقٍ ملكي، فالحكمة في ذلك: أن الروح الملكي غير متغذ، وإنما بقاؤه بالتسبيح والتقديس وهو بمثابة النفس للحيوان، ولهذا ليس للملك الترقي من مقامه والروح الحيواني قابل للترقي؛ لأنه متغذ، فجعل الله الإنسان مركباً من الروحين؛ لينقطع روحه الملكي بطبع روحه الحيواني المتغذي، وقبول الفناء الذي يعبر عنه بالموت؛ ليصير مترقياً كالحيوان، وينطبع روحه الحيواني بطبع روحي الملكي؛ ليصير مسبحاً ومقدساً كالملك باقياً بعد المفارقة بخلاف الحيوانات؛ ولكن من اختصاص الروح الحيواني في التغذي: أن يجعل الغذاء جنس المتغذي، ويلونه بلونه، وصفته الروح الإنساني أن يكون متلوناً بلون الغذاء ومتصفاً بصفته؛ وذلك لأن غذاء الروح الحيواني الطعام الشراب، وهي من الجماد والنبات والحيوان المذبوح المطبوخ فيهما الرطوبة واليبوسة والحرارة والبرودة مركوزة بالطبع، والروح الحيواني غالب عليها ومتصرف فيها بالطبع فيجعلها من جنس المتغذي، وغذاء الروح الإنساني ذكر الله وطاعته، والشوق والمحبة إلى لقائه الكريم، وفيه النور والجذبة الإلهية وهي غالباً على الروح؛ فالروح يتجوهر بجوهرها، وفي الجوهرة بجوهر النور الرباني نوع من الفتاء عن وجوده والبقاء بنور ربه، فهو بمثابة ميت ذاق الموت، ثم أحيي بنور ربه، كما قال الله تعالى:

{أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ} [الأنعام: 122] فهذا الموت الذي استحق به الروح الإحياء بنور الله إنما استقاه من النفس الحيوانية التي هي ذائقة الموت، فافهم جيداً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت