فجاء محمد صلى الله عليه وسلم اكسير اجساد العالم وروح اشباح العالمين بحقائق علوم الأزلية وأوضح سبل الحق لهم بحيث يجعل سفر الازال والآباد للجميع خطوة واحدة فإذا قدم من الحضرة إلى سفر الغربة بانهم جميعا بخطوة من خطوات صحارى سبحان الذي أسرى حتى وصل إلى مقام دنا فغفر الحق لجميع الخلائق لمقدمه المبارك فالكافر والمؤمن والذئب والظبّى والبازى والحمام والجنة والنار والدنيا والآخرة في حيز رحمته لأنه كان رحمة أزلية أبدية قطرة من بحر رحمة الرحمن وغرفة غرفت من نهر الغفران قال أبو بكر بن طاهر زين الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم بزينة الرحمة وكان كونه رحمة ونظره إلى من نظر إليه رحمة وسخطه ورضاه وتقريبه وتبعيده وجميع شمائله وصفاته رحمة على الخلق فمن أصابه من رحمته فهو الناجى في الدارين عن كل مكروه والواصل فيهما إلى كل محبوب ألا ترى الله يقول وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين فكانت حياته رحمة ومماته رحمة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
قوله تعالى {إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ} يعلم شكاية العارفين منه إليه بألفاظ مجهولة من مقام الإنس ويعلم ما في ضمائرهم من حقائق إشارات الحقيقة من أوصاف القدس يسليهم بهذا الخطاب أي لا تجزعوا فحان وقت الوصال وكشف الجمال فكيف يخفى عليه وهو بمحبته ازعجهم إلى العربدة والانبساط قال الحسين كيف يخفى على الحق من الخلق خافية وهو الذي اودع الهياكل أوصافها من الخير والشر والنفع والضر فما يكتمونه أظهر عنده مما يبدونه وما يبدونه مثل ما يكتمونه جل الحق أن يخفى عليه خافية من عباده بحال والله اعلم. انتهى انتهى {عرائس البيان، للبقلي. 2/} ...