قوله تعالى {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} كان في علم الأزلية أن ارض الجنان ميراث عباده الصالحين من الزهاد والعباد والأبرار والاخيار لأنهم أهل الاعراض والثواب والدرجات وان مشاهدة جلال أزليته ميراث أهل معرفته ومحبته وشوقه وعشقه لأنهم في مشاهد الربوبية وأهل الجنة في مشاهد العبودية قال سهل اضافهم إلى نفسه وحلاهم بحلية الصلاح معناه لا يصلح لي إلا ما كان لي خالصة لا يكون لغيرى فيه أثر وهم الذين اصلحوا سريرتهم مع الله وانقطعوا بالكلية عن جميع ما دونه ثم بين سبحانه أن كلامه الأزلى يبلغ الصديقين إلى معادنه من رؤية الصفات والذات بقوله {إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ} مشاهدين جلالنا وجمالنا بهممهم العلية وقلوبهم الحاضرة وعقولهم الصافية وأرواحهم العاشقة وأسرارهم الطاهرة قال سهل لم يجمع البلاغ لجميع عباده بل خصه لقوم عابدين وهم الذين عبدوا الله وبذلوا له مهجتهم لا من اجل عوض ولا لاجل نار ولا جنة بل حبا له وافتخاراً بما أهلهم من عبادتهم اياه ثم وصف الله سبحانه حبيبه محمداً صلى الله الله عليه وسلم بانه ارسله رحمة إلى جميع خلقه بقوله {وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} أيها الفهم أن الله سبحانه أخبرنا أن نور محمد صلى الله عليه وسلم اوّل ما خلقه في الأول من جميع خلقه ثم خلق جميع الخلائق من العرش إلى الثرى عن بعض نوره فإرساله من العدم إلى مشاهدة القدم رحمة لجميع الخلائق إذ الجميع صدر منه فكونه كون الخلق وكونه سبب وجود الخلق وسبب رحمة الله على جميع الخلائق إذ هو سبب وجود الجميع فهو رحمة كافية وافهم أن جميع الخلائق صورة مخلوقة مطروحة في فضاء القدرة بلا روح حقيقية منتظرة لقدوم محمد صلى الله عليه وسلم فإذا قدم في العالم صار العالم حيا بوجوده لأنه روح جميع الخلائق قال تعالى وما ارسلناك إلا رحمة للعالمين ويا عاقل أن من العرش إلى الثرى لم يخرج من العدم إلا ناقصا من حيث الوقوف على أسرار قدمه بنعت كمال المعرفة والعلم فصاروا عاجزين عن البلوغ إلى شط بحار الألوهية وسواحل قاموس الكبريائية