وقال غيره: نال كل عضو منه البلاء إلى موضع البداء فنادى الضر في الباقي منه
على العافية لا عن موضع البلاء فقال: (مسني الضر (نداء، لا شكوى. وأنشد
شعرا:
ولو مضى الكل مني لم يكن عجبا
وإنما عجبي للبعض كيف بقى
أدرك بقية روح فيك قد تلفت
قبل الفراق وهذا آخر الرمق
قال الواسطي رحمة الله عليه في قوله: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (طاعتك خاصة نداء فذكر ضره ومحبته، وفزع إلى ما عرف من صفته
ونعته، كما فزع محمد (صلى الله عليه وسلم) إلى قوله:"أعوذ برضاك من سخطك"فاستجبنا له
وكشفنا ما به من ضر لأدبه في وقت السؤال، وقلة حيلته في وقت الدعاء.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: أنت أرحم بي من أن ترينيه ضرا بعد أن جعلتني في
حقيقة الرضاء، وهو الوقوف معك بلا طلب زيادة أو نقصان.
سمعت منصور بن عبد الله يقول: سمعت أبا القاسم الإسكندراني يقول: سمعت
أبا جعفر الملطي عن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جعفر بن محمد في قوله
(مسني الضر) قال: حبس عني الوحي أربعين يوما فخشى الهجران من ربه، والقطيعة
فقال: (مسني الضر) .
سئل الجنيد رحمة الله عليه عن قوله (مسني الضر) قال: عرفه فاقة السؤال ليمن
عليه بكرم النوال.
قوله تعالى: (فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر)
الأنبياء: (84) فاستجبنا له فكشفنا) [الآية: 84] .
قال بعضهم: استجاب دعاءه، وفتح عليه أبواب الرضا لئلا يعارض بعد ذلك في
حال، لا مستكشفا للبلاء ولا متلذذا به لأن كلاهما مواضع العلل والرجوع إلى النفس
وتربيتها.
وقال أبو بكر بن طاهر: أجاب الله دعاء أيوب عليه السلام بكشف الضر عنه، وذلك
الضر هو ما كان يجد من ضعف نفسه عن القيام بخدمة مولاه، فرد الله إليه قوته ليقوم
له بحسن الخدمة، وهو كشف الضر.
قوله تعالى ذكره: (رحمة من عندنا وذكرى للعابدين) [الآية: 84] .
قال الواسطي رحمة الله عليه: أي موعظة للمطيعين عند نزول المحن بهم، وتحريضا
على الرضا وحسن الدعاء من غير تصريح به بل إظهارا للحال.
قوله تعالى ذكره: (وذا النون إذ ذهب مغاضبا)
الأنبياء: (87) وذا النون إذ) [الآية: 87] .