مستدرجا، فلما تشتتت عليه الخواطر، قال: مسني الضر من تشتت هذه الخواطر لأن فيه
شبه التحير.
وقال بعضهم: كان أيوب قائما مع الحق في حال الوجد فلما كشف عنه البلاء
وأظهره، وكشف ما به قال: (مسني الضر) .
وقال الجنيد رحمة الله عليه: عمل الدود في جسده فصبر فلما قصدوا قلبه غار عليه
لأنه موضع المعرفة، ومعدن التوحيد، ومأوى النبوة والولاية، وقال: (مسني الضر)
افتقارا إلى الله مع ملازمة آداب النبوة.
وقال ابن عطاء: لما أراد الله كشف ضر نبيه أيوب أحب أن يكون من أيوب فيه حركة
لإقامة العبودية أبلاه بما الصبر فيه مذموم. وهو الغيرة، فخاف أن يكون قد جعل العدو
على أهله سبيلا فقال: (مسني الشيطان بنصب (فنودى في سره مسك الضر يا أيوب.
فقال (صلى الله عليه وسلم) معتذراً عما قال: (مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (على معنى الاستفهام
"أيمسني الضر وأنت أرحم الراحمين؟".
وقال سهل في قوله: (أني مسني الضر) قال أظهر الله في أيوب عليه السلام
البلاء، وأعطاه الصبر فلما أن قام بأحكام الصبر ورثه الرضا بالبلاء فصار شكواه إليه
مناجاة له في مس البلاء.
وقال ابن خفيف: كان أيوب مستترا بحال الصبر عن البلاء، فلما أراد الله إظهاره
للخلق ضج فقال: (مسني الضر) .
وقال أبو علي المغأزلي: أوحى الله إلى أيوب في حال بلائه، يا أيوب: إن هذا البلاء
قد اختاره سبعون نبيا قبلك فما اخترته إلا لك. فلما أراد الله كشفه عنه قال: آه مسني
الضر.
وقال سهل: الضر على وجهين: ضر ظاهر، وضر باطن، فالباطن حركة النفس عند
الوارد واضطرابها، والظاهر الآلام. وإذا تحرك الباطن تحت الوارد انزعج الظاهر
بالصياح والدعاء.
وقال الحسين: تجلى الحق لسره، وكشف عنه أنوار كرامته فلم يجد للبلاء ألما فقال:
(مسني الضر (لفقدان ثواب البلاء والضر، إذ صار البلاء لي وطنا وعلى نعمة.
وقال بعضهم في قوله: (مسني الضر) : أي أنت أرحم بي من أن يمسني معك
الضر.
وقال الجنيد رحمة الله عليه: ليس من صفات البشر أن يتجلد على البلاء إلا بالنظر
إلى المبلى، إذ ذاك يصير البلاء عنده نعمة، وإنما معنى هذه الآية: أيمسني الضر وأنت
لي؟ هذا ما لا يكون.