وحمل أبو حيان ذلك على أنه من باب بناء المصدر للمفعول؛ يعني: من باب إضافة المصدر إلى نائب الفاعل. ولم يجز ذلك إلا الأخفش، والصحيح منعه. وعلَّل أبو حيان مذهب الزمخشري بأنه"لما رأى {فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} و {إِقَامَ الصَّلَاةِ} و {إِيتَاءَ الزَّكَاةِ} ليس مختَّصًا بمن سبق ذكرهم، بل هم وغيرهم في ذلك مشتركون - آثر هذا التخريج؛ فرارًا من إضافة المصدر إلى ضمير الموحى إليهم."
فيكون التقدير: وأوحينا إليهم فعلهم الخيرات. وهذا التقدير ليس بلازم على رأي أبي حيان؛ إذ جوَّز أن يكون التقدير: وأوحينا إليهم فعل المكلفين الخيرات، أو أن فعل الموحى إليهم تكليف لأتباعهم بطريق اللزوم. وقد تعقب السمين رد شيخه أبي حيان، فأخرج المسألة من باب بناء المصدر للمفعول، ورأى أن الزمخشري لم يقدر هذا التقدير، بل"قدَّر ذلك لأن نفس الفعل الذي هو معنًى صادرٌ من فاعله لا يُوحى، وإنما يوحى ألفاظ تدلُّ عليه، فكأنه قيل: وأوحينا هذا اللفظ وهو أن تُفْعل الخيرات، ثم صاغ ذلك الحرف المصدري مع ما بعده مصدرًا مُنونًا ناصبًا لما بعده، ثم جعله مصدرًا مضافًا لمفعوله".
{وَإِقَامَ الصَّلَاةِ} : الواو: عاطفة. {إِقَامَ} : مصدر معطوف على ما قبله مجرور مثله. {الصَّلَاةِ} : مضاف إليه مجرور. ومذهب ابن عطية أن عدّ {إِقَامَ} مصدرًا"فيه نظر". وردَّ أبو حيان اعتراضه فقال:"وأي نظر في هذا؟ وقد نص سيبويه على أنه مصدر بمعنى الإقامة، وإن كان الأكثر الإقامة بالتاء". ونقل الزجاج عن الفراء"أن التاء تحذف للإضافة كالتنوين". ونص الشهاب على أن حذف التاء في هذا البناء جائز مطلقًا في مذهب سيبويه غير مشروط بالإضافة، والذي حسَّنه هنا المشاكلة.
{وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ} : الواو: عاطفة. {إِيتَاءَ} : مصدر معطوف على ما قبله مجرور مثله. {الزَّكَاةِ} : مضاف إليه مجرور. وقال الشهاب:"عطف إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من عطف الخاص على العام للتفضيل، كعطف جبريل على الملائكة". قلنا: يعني قوله تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ... } [سورة البقرة 2/ 98] .
{وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ} :