ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يتعاهد أصهاره، ويحضهم على علو الهمة في الطاعات حتى يكونوا هم وزوجاتهم معه في أعالي الجنان؛ ومن ذلك أَنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- طرق عليًّا وَفَاطِمَةَ لَيْلَةً؛ فَقَالَ: «أَلَا تُصَليَانِ؟!» ... الحديث [53] .
ومن رحمته -صلى الله عليه وسلم- أنه إذا اشتكت ابنته من خدمة بيتها وزوجها لم يعتب على صهره، ولم يُكلفه ما لا يطيق، بل يُمسِّكهما بما فيه القوة والمدد من الله تعالى، ويدلهما على خير معين لهما على مشاق الحياة؛ فعن عَلِيٍّ -رضي الله عنه-أَنَّ فَاطِمَةَ شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَى، فَأَتَى النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ فَقَالَ: «عَلَى مَكَانِكُمَا» ، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ؛ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» [54] .
ثانيًا: رحمته بأرحامه:
الرحم مشتقة من الرحمة، وقد حثَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على صلة الرحم في غير ما حديث، منها ما يرويه عن ربه سبحانه وتعالى قال: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ [55] ؛ فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ» [56] .
وأعلم -صلى الله عليه وسلم- الأمةَ كلها أنَّ الواصل ليس هو الذي يجازي من يصله، ولكن الصلة الحقيقية هي أن يصل الإنسان رحمه ولو قطعوه؛ فقال: «ليس الواصلُ بالمُكافئ، ولكنَّ الواصلَ الذي إذا قُطِعت رحمُه وصلها» [57] .